إفتتاح قسم التبادل بنظام IPTV لأصحاب السيرفرات

سيرفر شيرينج IPTV عربي لمشاهدة جميع قنوات العالم المشفرة


العودة   نقاش الحب > القســـم الثقــافى > القســـم التعليمى > منتدي التربية و التعليم

منتدي التربية و التعليم كل ما يهتم بالبحوث والدروس والندوات والمحاضرات والمواد للمتعلمين.


الحضارة الإسلامية

كل ما يهتم بالبحوث والدروس والندوات والمحاضرات والمواد للمتعلمين.


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2014-08-31, 07:17 AM   #1 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي الحضارة الإسلامية





صناعة العلماء

قد يبدو غريبًا هذا العنوان، وقد يبدو أشد غرابةً عند مَن يتواضع كثيرًا فيجعل همَّه وطموحه فقط أن يصبح طالب علم، أو -كما يقول بعضهم- "طُويلب علم"..!! ولا شك أن مثل هذه الهمة هي همة قاصرة، وهي همة تعجز في أن تلحق -بالمرة- بركب العلماء. وأولى بصاحبها وأجدر أن يقف مع نفسه وقفة أخرى، يجدد العزم، ويعقد العهد قبل أن تتفلت من يده الأيام، ويندم ولات حين مناص!

يقول المتنبي:


إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ *** فلا تقْنعْ بما دُون النُّجـــومِ
فطعمُ المـوتِ فـي أمرٍ حقيرٍ *** كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

لذا لا يصلح لك إلا أن تكون عالمًا .. وليس فقط من طلاب العلم.


ولا شك أن ذلك يتطلب نوعًا خاصًا من الإعداد، فيتطلب خطة بعينها، ويتطلب حياة خاصة، وأيضًا حالة نفسية معينة، أو قل: يتطلب ذلك منهجًا في الحياة جديد، فتصبح لك طريقة تفكير خاصة، وطريقة ترتيب وقت يناسب هذه الحياة الخاصة، بل وطريقة نوم وأكل مختلفة عن بقية الناس، إنها حياة إنسان يُربَّى ليُغيِّر لا ليتغير، ويؤثِّر لا ليتأثر، إنها حياة مختلفة حقًا!!


العلماء ورثة الأنبياء

وللعلم قيمة في الميزان الإسلامي، فحياة الناس لا تستقيم إلا به، وقد كان العلم كان صفةً لازمةً للأنبياء عليهم السلام، وكان من رحمة الله عز وجل أنه لم يرفع العلم بذهاب الأنبياء، وإنما جعل الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يورِّثُوا علمهم هذا قبل أن يموتوا إلى طائفة معينة من البشر، أوكل إليها مهمة تعليم الناس، والقيام بالدور الذي كان يقوم به الأنبياء في حياتهم، ولكن دون وحيٍ ودونما عصمة. وهذه الطائفة من البشر هي "العلماء".


عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" [1].


ففي نهاية هذا الحديث وضح رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لم يتركوا خلفهم مالاً ولا مُلكًا، وإنما تركوا العلم، وهذه هي أعظم تركة، ومن أخذها فقد فاز حقًا، يقول الله تعالي: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة:269].


وفضلاً عن ذلك فالحديث يبين فضل العلم ومنزلة العلماء؛ فالملائكة تضع أجنحتها لمن يبدءون طريق العلم؛ تواضعًا وتعظيمًا وتكريمًا وتبجيلاً لهم، وكفى بذلك شرفًا ومنزلة !!


ويخص رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة العلماء -وليس طلاب العلم- بمزية خاصة، وهي أنه يستغفر لهم من في السماوات ومن في الأرض، بل يصل الأمر إلى أن تستغفر له الحيوانات أيضًا، بل حتى تلك التي تسبح في جوف الماء !!


وليت الأمر يقف عند هذا الحد فقط، بل إنه صلى الله عليه وسلم يُفضِّل ذلك العالِم ويرفع منزلته ومكانته على العابد لله عز وجل !! وقد جعل المقارنة بينهما في ذلك تمامًا كما يكون القمر ليلة البدر -كما ورد ذلك في رواية أخرى- مع غيره من النجوم، وذلك في إشارة إلى أن نور القمر يحجب نور الكواكب الأخرى ويُغطِّي عليها، مهما كثُر نورها بكثرة أعدادها !!


ألا ترى أن الأمر جد عظيم..؟!

بين العالم والعابد

ومع كون هذه المقارنة عظيمة في حق العلماء، إلا أن هناك مقارنة أعظم منها، ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَابِدٌ، وَالْآخَرُ: عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" [2].


ففي هذا الحديث الشريف يُقارن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العالم والعابد، فيشبه ذلك بالفارق بين منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنزلة أقل المسلمين، أي أن الفجوة التي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أدنى المسلمين، تشبه تلك التي بين العالم والعابد !!


وفي ذلك من الفضل والشرف والمنزلة الرفيعة العالية ما فيه، فلم يقارن صلى الله عليه وسلم بين نفسه وبين أحد العظماء -مثلاً- في الإسلام، رغم أن مثل هذه المقارنة هي عظيمة أيضًا؛ إذ البون شاسع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أي إنسان آخر، ولكن لعظم المفارقة هنا وبيان الفضل، فهو يقارن بين نفسه صلى الله عليه وسلم وبين أدنى المسلمين !!


ولعل البعض قد يستغرب من كون هذه المنزلة العالية للعالم إنما هي فوق منزلة العابد، ولعل هذا العجب يزول إذا علمت أن العابد الذي يعبد الله على غير علم يَضل ويُضل، وقد كان كفار مكة أنفسهم يعترفون لله بالعبودية، ولكنها عبودية على غير علم، فكان أن كفروا وضلوا، يقول تعالى يصف حالهم وهم يتحدثون عن الأصنام: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3].


كما أن العابد إذا كانت عبادته لله على ظنٍ فاسدٍ، فإن عبادته هذه لا تُقبل، ويكون بذلك من الخاسرين، قال تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 23].


ويروى الدارمي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى أهل المدينة: "إنه من تعبد بغير علمٍ، كان ما يُفسد أكثر مما يصلح" [3].


العلماء فوق المجاهدين والشهداء

بل إن من الفقهاء في الإسلام من رفع درجة العلماء فوق درجه المجاهدين في سبيل الله وليس فقط العُبَّاد!! يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من علماء الصحابة الأفذاذ: "والذي نفسي بيده، ليودَّنَّ رجالٌ قُتلوا في سبيل الله شهداء، أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم" [4] أي من كرامة العلماء. ويقول العلامة التابعي الحسن البصري رحمه الله: "يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء!!" [5].


وإن كان البعض قد يستغرب هذا الكلام، إلا أن حجته قوية، فالجهاد لا يُعرف فضله أساسًا إلا بالعلم، وعليه فلن يجاهد إلا من "علم" قيمة الجهاد ودرجة المجاهد، كما لن تُعرف شروط الجهاد ومشروعيته إلا بالعلم، ولن يُعرف فرض العين من فرض الكفاية فيه إلا بالعلم، ومن ثم فقد يترك "من لا يعلم" فرضًا ويقيم نافلة، وهذا لا يجوز، كما أنه قد يتعدى في جهاده الحدود المشروعة، أو يقاتل من لا يجوز قتاله، وهذا كله لا يجوز.


وهكذا، فالعلم هو الذي يحدد مشروعية الجهاد وحدوده، وبغير العلماء الصادقين لن يوجد مجاهدون على حق.
بل قد يأثم المسلم بجهاده بغير علم!! وما فتنه الخوارج بخافية على أحد.


فتنة الخوارج

فالخوارج كانوا يعبدون الله تعالى، ويقيمون الفرائض، ويجاهدون في سبيل الله، وذلك كله على غير هدًى من الله ولا علم، فكان أن خرجوا من الدين بالكلية، بينما هم يحسبون أنفسهم على أفضل درجات العبادة والجهاد !!


ولما همَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتل أحدهم -كما يروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه- قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" [6].


فكانت آفتهم الرئيسية أنهم اجتهدوا بغير علم، فأدى بهم ذلك إلى أن يجاهدوا على باطل، حتى كان أحد زعمائهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم والذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه - كان يظن تمام الظن أنه تقرب إلى الله تعالى بقتل أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين وزوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبشر بالجنة مرارًا، علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!
وكان هذا اعتقادٌ راسخ عند كل الخوارج، حتى إنك لتجد عمران بن قحطان (أحد شعراء الخوارج المتأخرين) يقول واصفًا هذه الطعنة اللئيمة التي قُتل بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه:


يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها *** إلا ليبلُغ من ذي العرش رِضوانًا
إنــي لأذكــره حينًـــا فأحسبــه *** أوْفَى البـريَّــة عنـد الله ميزانًـــــا

كل ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه يوم خيبر -كما يروي سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ" [7]. وحين كان الغد كان هذا الرجل هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


ولم يقع عبد الرحمن بن ملجم (القاتل) في هذه الكارثة إلا بفقد العلم، يقول تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103- 104].


ولكم عانت الأمة الإسلامية من بعض المتحمسين للدين، المشتاقين للجهاد ولكن بغير علم، وقد أدى بهم حالهم هذا إلى أن يجتهدوا اجتهادات خاطئة، ويحكموا أحكامًا جائرة، فكانت النتيجة تكفير المجتمعات المسلمة، واستباحة دماء الأبرياء، والاستهانة بكل الحرمات، والقتل والسفك والظلم والبطش باسم الجهاد والدعوة والتضحية!! والإسلام من ذلك كله براء.


تعظيم العلم والعلماء

ولأجل ذلك، ومن فقهٍ لمنزلة العلماء وقيمة العلم مقارنة بغيره، يقول كعب الأحبار رحمه الله موضحًا الحقيقة: "طالب العلم كالغادي الرائح في سبيل الله تعالى" [8]. وهو ما أكده أبو الدرداء رضي الله عنه حين قال: "من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد، فقد نقص في عقله ورأيه" [9].


وترى سفيان بن عيينة رحمه الله، وهو من التابعين يقول أيضًا: "من طلب العلم فقد بايع الله تعالى" [10].


ولذلك فإن الله تعالى رفع قدر العلماء وعظم قيمتهم، يقول تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].


مكانة معاذ بن جبل

وقد فقه الصحابة والتابعون والصالحون من هذه الأمة الكريمة هذا القدر، فعظموا علماءهم، ورفعوا من قدرهم، وحفظوا لهم مكانتهم، ولم يعتبروا في ذلك بعرقٍ ولا نسبٍ ولا جنسٍ ولا عمرٍ ولا منصب، إنما اعتبروا فقط بالعلم، فكان معاذ بن جبل رضي الله عنه على صِغر سنه معظمًا جدًّا بين الصحابة، حتى إنهم كانوا لا يرفعون أعينهم في عينه حياءً منه وتعظيمًا له رضي الله عنه. هذا مع أنه مات وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، ولكنه عُظِّم بالعلم الذي كان يحويه في صدره رضي الله عنه.


يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حقه -كما يروي أنس بن مالك رضي الله عنه: "وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ" [11].


ومن هنا نستطيع فهم الموقف الذي حكاه لنا أبو مسلم الخولاني رحمه الله (من التابعين)، وفيه يصور مدى احترام وتعظيم الصحابة لمعاذ بن جبل رضي الله عنه مع حداثة سنه، يقول أبو مسلم الخولاني: "أَتَيْتُ مَسْجِدَ أَهْلِ دِمَشْقَ فَإِذَا حَلْقَةٌ فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إلى الْفَتَى فَتًى شَابٌّ -وفي رواية أخرى: ولا يصدرون إلا عن رأيه- قَالَ: قُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ" [12].


فقد وصف أبو مسلم الصحابةَ الذين هم حول معاذ رضي الله عنه بأنهم "كهول"، أي شيوخ كبار في السن، ورغم ذلك -وكما جاء في الحديث- فكانوا يرجعون فيما يختلفون فيه وفيما لا يُدركون له حلاً إلى معاذٍ وهو يومئذ فتًى شاب، ولم يكن ذلك إلا لعلمه وفقهه رضي الله عنه.
وقد جاء في رواية أن هؤلاء الأصحاب كانوا نحو من ثلاثين كهلاً من الصحابة [13]!!


تقديم العلماء على غيرهم

ويؤكد معنى تقديم العلماء على غيرهم بصرف النظر عن مناصبهم ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو أن نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ -وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ- فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى. قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تعالى، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" [14].
وفي مثل ذلك ما روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه صلى على جنازة فقُرِّبت إليه بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء. فقبَّل زيد بن ثابت رضي الله عنه يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم [15].


فعبد الله بن عباس رضي الله عنهما يرفع من قدر زيد بن ثابت رضي الله عنه ويوقِّره ويقدِّمه، ويمسك له دابته رغم صغر سنه، وليس ذلك لشيءٍ إلا لعلمه وفقهه، وكان هذا عموم حال الصحابة رضي الله عنهم وعهدهم مع العلماء.


يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن من حق العالم أن لا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشي له سرًّا، ولا تغتابن أحدًا عنده، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما دام يحفظ أمر الله تعالى، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته" [16].
وقال علي رضي الله عنه أيضًا: "العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة (أي: ثغرة) لا يسدها إلا خلفٌ منه" [17].


وقال أيضًا منشدًا:


مـا الفخـر إلا لأهــل العلــم إنهــم *** على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقــدر كل امــرئٍ ما كان يحسنـه *** والجاهلــون لأهــل العلم أعـداءُ
ففــزْ بعلــمٍ تعــشْ حيًّــا بـه أبــدًا *** الناس موتى وأهل العلــم أحياءُ

بل يذكر الغزالي رحمه الله في الإحياء أن حق المعلم أعظم من حق الوالدين؛ لأن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، فهو معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة [18].


ثم يقرر الغزالي -بعد أن أورد قول ابن المبارك حين سُئل: من الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد- فيقول: "ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم؛ فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمه فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنًا منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم" [19].


ويروي عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف عالمنا" [20] أي يعرف لعالمنا حقه.


وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر كان غاية توقير العلماء وإجلالهم، فمع كون موسى عليه السلام أعلى قدرًا وأعظم مكانة؛ كونه ليس نبيًّا فقط، بل من أولى العزم من الرسل، إلا أنه قال للخضر موقرًا مبجِّلا: "هل أتبعك؟"!


فهو يصرح بأنه سيتبع الخضر، وسبب الاتباع هو العلم: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]، ثم هو يستأذن منه، ويسترضيه، ويستسمحه. لا لشيء إلا للعلم الذي رفع من قدر الخضر، وجعل له هيبة واحترامًا وإجلالاً.


ويقول الزهري رحمه الله (وهو من التابعين العظماء) مقررًا: "كنت آتي باب عروة بن الزبير رضي الله عنهما (وهو أيضًا من التابعين) فأجلس بالباب، ولو شئت أن أدخل لدخلت، ولكن إجلالاً له" [21]!!


وفي سبيل التربية على ذلك يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما لابنه ناصحًا ومرشدًا: "يا بنى، إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا -وإن طال- حتى يسمِّك".
وعلى هذا ظلت مكانة العلماء محفوظة ومرموقة في الأمة الإسلامية، وظل قدرهم مرفوعًا فوق غيرهم من المسلمين.


ولقد كان الناس يجتمعون بالآلاف حول البخاري رحمه الله ليعلمهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعد في السادسة عشرة من عمره!!


يقول الشافعي رحمه الله:


وإن صغير القوم إن كان عالمًا *** كبيرٌ إذا ردت إليه المحافـــــــل

الحلفاء وتعظيم العلماء

ولم يكن هذا التقدير من جانب العامة فقط، بل كان أيضًا من قبل الأمراء وأصحاب السلطان، فكانوا ينزلون العلماء منازلهم ويرفعونهم قدرهم، ولذلك عزَّت أمتهم، وسادت غيرها من الأمم.
ففي أحد مواسم الحج جاء أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك رحمه الله إلى الحج هو واثنان من أبنائه الأمراء، فاحتاجوا إلى إجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بالحج، ولم يجدوا لذلك أفضل من العلامة عطاء بن أبي رباح [22] رحمه الله، فذهبوا إليه وهو يصلي، فانتظروا إلى جواره حتى انتهى من صلاته، فبدءوا يسألونه وهو يجيبهم في وضع الصلاة لا يلتفت إليهم، وهو يقبلون بهذا الوضع لأنهم يحتاجون إلى العلم، وبعد انتهاء الأسئلة انصرفوا، ثم جمع أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك رحمه الله ولديه وقال لهما: "يا بني، لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود" [23]!!


وكان عطاء بن أبي رباح رحمه الله (من التابعين) عبدًا أسودًا لامرأة من مكة !!


وصدق قول الشاعر:


العلم يرفع بيتًا لا عماد له *** والجهل يهدم بيت العزِّ والشرفِ

وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يومًا أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردًا فقدماها، فرفع ذلك الخبر إلى المأمون، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس؟ قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فردًا!! قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعة حرصا عليها. فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لومًا وعتبًا وألزمتك ذنبًا، وما وَضَعَ ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبيَّن عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم.
وإن جواب المأمون هذا ليعكس نظرة الإسلام والأمة الإسلامية كلها آنذاك إلى العلم والعلماء، وما كانوا عليه رعاة ورعية من العناية والاهتمام والتعظيم والإجلال للعلم وأهله.


فكان العالِم حقًا أعز الناس، وهذه هي الدرجة والمنزلة التي قررها الصالحون لعلماء الأمة وحفظوها لهم وأنزلوهم إياها، وقد علموا أنهم مصابيح الدجى التي يُهتدى بها، وهو الأمر الذي أورثهم عزًا ومجدًا وتقدمًا وحضارة ورفعة !!


فإن أردت -أخي في الله- أن تصبح عالمًا، فلابد لك أولًا أن تعرف منزلة ما تطلب، ومكانة ما تهفو إليه نفسك؛ فليس في الدنيا أعز ممن ورث الأنبياء، واستغفر له أهل الأرض والسماء !!




[1] الترمذي: كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة (2682) واللفظ له، وأبو داود (3641)، وابن ماجة (223)، وأحمد (21763)، والدارمي (342)، وابن حبان (88)، وقال الألباني: صحيح (6297) صحيح الجامع.
[2] الترمذي: كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة (2685)، وقال الألباني: صحيح (4213) صحيح الجامع.
[3] أبو عبد الله الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/ 349.
[4] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/8.
[5] المصدر السابق.
[6] البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3414)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064)، وابن حبان (6741)، وعبد الرزاق (18649)، والبيهقي في سننه الكبرى (16479).
[7] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل (2847)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب  (2406)، وابن حبان (6932).
[8] أبو نعيم: حلية الأولياء 5/377.
[9] ابن القيم: مفتاح دار السعادة 1/71.
[10] ابن القيم: مفتاح دار السعادة 1/71.
[11] الترمذي: كتاب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل (3790)، وابن ماجه (154)، وأحمد (14022)، وابن حبان (7137)، والطيالسي (2096)، وقال الألباني: صحيح (1224) السلسلة الصحيحة.
[12] أحمد (22117)، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح.
[13] انظر الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/ 20.
[14] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (817)، أبو القاسم الطبراني: مسند الشاميين (2999).
[15] ابن القيم: مدارج السالكين 2/330، المتقي الهندي: كنز العمال 13/370.
[16] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/51.
[17] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/7.
[18] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/55.
[19] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/7.
[20] أحمد (22807) واللفظ له، والحاكم (421)، وقال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده حسن، وقال الألباني: صحيح (101) صحيح الترغيب والترهيب.
[21] سنن الدارمي (569).
[22] نشأ عطاء بن أبي رباح بمكة، وكان عبدًا أسود لامرأة، وكان أنفه كأنه باقلاة وكان بنو أمية يأمرون في الحاج صائحًا يصيح لا يفتى الناس إلا عطاء بن أبي رباح، ويقول عنه الأوزاعي: ما رأيت أحدا أخشع لله من عطاء، ومات بمكة عام 115وعمره 88. صفة الصفوة2/ 212- 214.
[23] ابن الجوزي: صفة الصفوة 2/212.


بقلم الدكتور راغب السرجاني

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2014-08-31, 11:37 AM   #2 ()
بأجازة
 
الصورة الرمزية محسن شعبان
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,148
: 321
افتراضي رد: منزلة العلماء في الإسلام

جزاك الله كل خير اخى الكريم

تقبل الله منا ومنك
محسن شعبان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-07-20, 11:07 PM   #3 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي جونثان بيرت ابن رئيس البي بي سي





المؤسسة الإعلامية الأعرق والأوسع انتشارًا في العالم، والتي يعادل عدد موظفيها مقدار موظفي دولة من الحجم الصغير، والتي تتولى كبر بث الأفلام ونشر الوثائق التي تصور الإسلام بطريقة مشوهة، ها هو الإسلام يخترق جدارها، ويعلن ابن رئيسها الشهادتين ضاربًا عرض الحائط بكل ما تقوله البي بي سي.

نشأته وقصة إسلامه:
نشأ بيرت الابن في منزل أسرته مع والده بيرت الكاثوليكي، وأمه الفنانة المولودة في أمريكا جين ليك، وشقيقته الصغرى إليزا، لم يظهر جونثان في صغره ميولاً تنبئ بمستقبله الديني. إن والده بيرت الكاثوليكي المذهب اعترف بأنه لم يكن يكترث كثيرًا بمسألة إيمانه، حيث يقول: "لم أكن رجل دين ولكن كنت أحترم الدين". وعندما كان بيرت الابن في جامعة مانشستر البريطانية يدرس التاريخ الحديث والعلوم السياسية التقى بطالب مسلم غيَّر تفكيره نحو الدين إلى الأبد، وبدأت تتغير نظرته تجاه الدين، وكان لزميل مسلم له في الحجرة أثر كبير في حدوث هذا التغيير. كما أن هذا الزميل المسلم أثر فيه بسلوكه وطريقته في الحياة. وينفي جونثان أن صاحبه هذا كان السبب في تحوله إلى الإسلام، ولكن يعتبره صاحب نفوذ كبير على قراره.

وفي منتصف سنته الدراسية الأخيرة ترك جونثان الدراسة. يقول البروفيسور فرانك اوجورمان أستاذ التاريخ الحديث والعلوم السياسية في جامعة مانشستر البريطانية: ترك جونثان الدراسة؛ لأنه لم يستطع الاستقرار هنا. وكانت له مشاكل خاصة، ولم يكن سعيدًا مع المقرر الدراسي.

وسجل جونثان اسمه في درجة البكالوريوس في مادة مقارنة الأديان في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن. وفي هذه المرة أظهر حماسة في هذه المادة، مؤكدًا أنه لن تكون هناك مشاكل تعوق دراسته. وبالفعل لم يواجه أي مشكلة في هذه الدراسة، بل إنه حصل على مرتبة الشرف من الدرجة الأولى في هذه المادة الدراسية.

ولما التحق بدورة الدراسات العليا الخاصة بتدريب المعلمين في جامعة واريك، وبعد بضعة أسابيع من انتهاء الدورة، اختار جونثان العمل في مركز إسلامي.

يقول أصدقاؤه: إن جونثان يعتقد أن أفكاره ووجهات نظره يمكن أن تتوهج عبر الإسلام. وكان في تلك الفترة يمضي أيام الأسبوع من الاثنين إلى الجمعة مع أسرته في جنوب لندن، بينما يقضي عطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد مع زوجته في أكسفورد.

قصة إسلام جونثان بيرت ابن جون بيرت رئيس البي بي سيوقد حرص جوناثان بيرت ابن جون بيرت مدير عام هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) على العمل في فترة العطلة الدراسية خلال فصل الصيف في مكتبة إسلامية متخصصة في بيع الكتب والنشرات الإسلامية. كما أنه كان يدخل في مناقشات مع الزبائن حول الإسلام، ويشرح لهم رؤية الإسلام في معالجة العديد من القضايا التي تواجهها المجتمعات الإنسانية. وكان بيرت الصغير خلال رحلته الإيمانية قد درس الإسلام دراسة عميقة، وبعد تفكير طويل قادته هذه الرحلة الإيمانية إلى اعتناق الإسلام.

وكان جونثان بيرت عند اعتناقه الإسلام يعيش في منزل الأسرة في نوربري بجنوب لندن مع والديه، وشقيقته إليزا.

وغيَّر جونثان بيرت بعد إسلامه اسمه إلى يحيى، وهو الاسم العربي المقابل لاسم جونثان. وكان جونثان فرحًا باسمه الجديد.

ولم يكن جونثان حريصًا على الاستفادة من شهرة والده إعلاميًّا، بل كان يحب أن ينزوي بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، ويتحمس للعمل الدعوي. وكان يعتبر أن عمله في المكتبة يسهل له مهمة الدعوة إلى الإسلام مع الزبائن الذين يترددون إلى المكتبة. وهنا نتابع مسار الرحلة الإيمانية لبيرت الصغير التي قادته إلى اعتناق الإسلام قبل تسع سنوات.

اعترف جون بيرت الأب بأنه لم تكن هناك أشياء كثيرة مشتركة بينه وبين ابنه سوى أمور قليلة، على الرغم من أنهما يعيشان معًا تحت سقف واحد في معظم أيام الأسبوع.

وكان بيرت الأب يتخوف من أن حياتيهما ستتباعدان أكثر فأكثر.

وكانت مهمة جون بيرت أن يقود فريق عمل مكوّنًا من آلاف الأشخاص مهمته تقديم المعلومات لعشرات الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم، بينما مهمة ابنه أن يمضي يومه في محاولة نشر دعوة الله في نطاق أضيق.

الإسلام والتلفزيون
وبينما كان بيرت الأب تقله سيارة ليموزين بسائق إلى مقر رئاسة الـ"بي بي سي" في وسط لندن، كان بيرت الابن يستقل القطار من محطة وندوارث كومون إلى المكتبة الإسلامية في جنوب لندن التي يعمل فيها خلال عطلة الصيف الدراسية.

وفي هذه المكتبة تباع كتب إسلامية، وهي تُعرف بمكتبة أكاديمية الأزهر التي افتتحت في مطلع أغسطس (آب) عام 1997م.

وكان الذين يعملون مع بيرت الابن في هذه المكتبة الإسلامية يقومون ببيع الكتب والنشرات الإسلامية، والغريب أن من بينها كتابًا بعنوان "الإسلام والتلفزيون". وكان جونثان الشخص غير الآسيوي الوحيد الذي يعمل في هذه المكتبة الإسلامية، كما أنه الوحيد الذي يعمل في المركز الذي تتبع له هذه المكتبة، ويقوم بتعريف الزوار عن الدورات التي تدرس كاللغة العربية والعادات الإسلامية.

وإن عمل جونثان في المكتبة خلال عطلة الصيف ناجم عن اهتمامه بالإسلام الذي ربط به مصير حياته طوال تسع سنوات. وعلى الرغم من نشأته الغربية إلا أنه كان فخورًا باسم يحيى، وهو الاسم العربي المقابل لاسم جونثان. وكانت أحاديثه تتضمن اقتباسات باللغة العربية من القرآن الكريم.

شهر العسل:
وفي يوليو (تموز) عام 1997م تزوج بيرت الابن من فتاة هندية مسلمة اسمها فوزية بورا. وفي شهر العسل زارا سوريا والأردن والقدس الشرقية؛ حبًّا في التعرف على الآثار الإسلامية في تلك المناطق.

التقى جونثان وفوزية لأول مرة في محاضرة في عام 1996م. وقال صديق لهما: كانت فوزية تعمل صحافية في ذلك الوقت. وكانت فوزية وقتذاك تحضر الماجستير في تاريخ مصر الوسيط في جامعة أكسفورد البريطانية. وكانت قد حصلت على مرتبة الشرف من الدرجة الأولى في اللغة الإنجليزية من كلية سانت هيلدا في جامعة أكسفورد، وهي كلية خاصة بالبنات.

وقال صديق لجونثان: إن رحلة شهر العسل لجونثان وفوزية كانت رحلة مباركة؛ إذ حرصا على زيارة بعض المواقع الإسلامية. فقد أمضيا بعض الوقت في القدس، وتجولا حول المواقع الإسلامية في هذه المدينة برفقة فلسطينيين التقيا بهم هناك، ويتعاطف جونثان وفوزية مع القضية الفلسطينية. ويحرص الزوجان على الذهاب إلى المساجد والمراكز الإسلامية في لندن وأكسفورد وبعض المدن البريطانية الأخرى. وإنهما زوجان سعيدان في حياتهما الزوجية.

ويرفض جونثان الحديث لوسائل الإعلام البريطانية المختلفة عن حياته الخاصة. كما يرفض مناقشة قضايا تتعلق بإيمانه وإسلامه، إذ يرى أن هذه المسائل ليست للمناقشة العامة. ولكنه في الوقت نفسه ليس بشخص انطوائي أو يتهيب الملتقيات العامة، بل في سبيل الدعوة إلى الله لن يتردد في الحديث إلى الناس ومجادلتهم بالتي هي أحسن. ويقول: إن الإسلام يأمرنا بالدعوة إلى الله وبالموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، حيث يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. وقال الرسول : "بلغوا عني ولو آية".

أما رفضه الحديث لوسائل الإعلام البريطانية عن حياته الخاصة وعن إسلامه، "فلأن ذلك أمر يخصني ولا يهم أحدًا سواي".

وقال بيرت الابن: "إن والدي شخصية عامة ورجل إعلام معروف، ولكني لست كذلك". وهذا أيضًا دليل على الاختلاف الحقيقي بينه وبين والده. وقال بيرت الأب: إنني سعيد للغاية بحياة ابني الشخصية، كما أنني سعيد بزواجه من فوزية بورا الصحافية الهندية المسلمة.

قصة الإسلام

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-07-29, 11:05 PM   #4 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي كوسم سلطان .. من أشهر وأقوى نساء الدولة العثمانية





في القصر العثماني
هي "خاصكي كوسِم ماه بيكر سلطان"، واسمها الحقيقي "أناستاسيا". وُلِدت في اليونان، وتذكر بعض المصادر أنّها ولدت في البوسنة عام 999هـ / 1590م.

أرْسِلت أناستاسيا إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية من قبل والي البوسنة، ومع دخولها الإسلام في قصر توبكابي غيَّرت اسمها لاسم "كوسِم". وسُمِّيت باسم "ماه بيكر" بفضل حُبِّ السلطان العثماني الرابع عشر أحمد الأول (1012هـ / 1603م - 1026هـ / 1617م) لها وتزوجت منه. وهي والدة السلطان مراد الرابع والسلطان إبراهيم الأول، وهكذا بدأت حياتها الجديدة في قصر توبكابي.

كوسِم سلطان كانت من أشهر وأقوى السلطانات في تاريخ الدولة العثمانية. ولما وصلت إلى سن الخامسة عشر من عمرها أصبحت من أهم الشخصيات المفضلة عند زوجها أحمد الأول وأثرت عليه بذكائها.

السلطانة الحاكمة
ولما وصلت كوسم سلطان إلى الثامنة والعشرين من عمرها أوجدت مكانا لنفسها في السلطنة العثمانية، فكانت تدير جلسات الديوان وكان لها دور خاص في الحكم العثماني في فترة حكم ابنها مراد الرابع، وذلك بسبب توليه الحكم وهو يبلغ 11 سنة ومن ثم ابنها إبراهيم الأول، وبسبب مرضه لم يكن قادرًا على إدارة الدولة ولذلك حكمت كوسم سلطان الدولة بدلا عنه وبعيدًا عن قصر توبكابي، ولكن بعد فترة من الحكم قُتِل ابنها أيضا. كما شغلت الحكم في فترة حفيدها السلطان محمد الرابع كذلك.

أعمالها الخيرية
واشتهرت كوسم سلطان بالأعمال الخيرية بتقديم المساعدات للفقراء في جميع أنحاء الدولة العثمانية، وفي كل سنة من شهر شعبان كانت تزور السجن وتدفع الديون عن المحكومين الذين حكم عليهم بالسجن بسبب ديونهم، وتطلق سراحهم من السجن كما ساعدت المسلمين الموجودين في مكة والمدينة.

اغتيالها
كانت كوسم سلطان تقوم في كل فرصة بعزل أبنائها وأحفادها من السلطة وإدارة الدولة، فقد أرادت استبدال محمد الرابع بحفيدٍ آخر إلا أنّ السلطانة خديجة تورهان أم السلطان محمد الرابع انزعجت من ذلك، ولم تكن مطمئنة من كوسم سلطان، فلذلك أمرت باغتيالها في عام 1061هـ / 1651م، ودُفِنت كوسم سلطان بجانب قبر زوجها السلطان أحمد الأول في منطقة سلطان أحمد.

ترك برس


slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-06, 11:45 PM   #5 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي قصة اسلام الامريكي دافيد ليفلي


ولد دافيد ليفلي David Lively في مدينة فيلادلفيا شمال شرق الولايات المتحدة، وأخذ في دراسة الرياضيات حتى تخرج في جامعة (ليهاي) متخصِّصًا في الكمبيوتر.

ويقول عن نفسه: "في بداية الشباب كنت مواظبًا على ارتياد الكنيسة البروتستانتية أنا وأسرتي، والبروتستانتية مذهب غالبية الشعب الأمريكي، وطالعت مبكرًا النصوص والمعتقدات الدينية، إلا أنني لاحظت أن عقلي وقلبي لا يتقبلان أمرين أساسيين من معتقدات النصرانية، هما:
- عقيدة التثليث (مرفوضة بأي شكل) لتعارضها مع العقل.
- وعقيدة الخلاص المنسوبة للمسيح عليه السلام؛ لما فيها من التناقض الديني في مجال الأخلاقيات.

عند ذلك اندفعت للبحث عن معتقد جديد يعصمني من الانحراف والضياع، ويملأ الفراغ الروحي الذي يعانيه ويشكو منه الشباب الأمريكي والأوربي(1).

قصة إسلام دافيد ليفلي
يتحدث دافيد ليفلي عن نفسه فيقول:
"تعرفت على صديق أمريكي سبقني للإسلام، وكانت لديه ترجمة لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية، فأخذتها لأضيفها إلى ما لديَّ من كتب دينية، وما إن بدأت في قرأتها حتى استراح قلبي للمبادئ التي اشتمل الإسلام عليها،
ثم اتجهتُ إلى الإسلام داعيًا الله بهذه الدعوات: يا صاحب الهداية، إذ لم يكن هذا الدين المسمَّى بالدين الإسلامي هو دينك الصحيح الذي ترضى عنه، فأبعدني عنه وعن أصحابي من المسلمين، وإذا كان هو دينك الحق فقربني إليه وفقهني فيه.

ولم يمر أسبوع إلا واستقرَّ الإسلام في قلبي ورسخ في ضميري، فاطمأن قلبي وعقلي وسكنت نفسي، واستراحت إلى أن الإسلام هو دين الله حقًّا، وصدق القرآن عندما يقرِّر: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]"(2).

إسهامات دافيد ليفلي
حاول داود عبد الله التوحيدي (وهذا اسمه بعد إسلامه) تنبيه المسلمين لما هم عليه، طالبًا منهم تغيير أوضاعهم فيقول:

"ما أبعد الفرق بين الإسلام وما يشتمل عليه من قيم وأخلاقيات وعقائد سامية، وبين حال المسلمين من جهلهم بعقيدتهم وفقدانهم لقيمهم، وابتعادهم عن قيم الإسلام وأخلاقياته!! فحكام المسلمين تباطئوا في العمل من أجل الإسلام مع أنها رسالتهم السامية، وعلماء الإسلام تخلوا عن دورهم الحقيقي في الدعوة وفي الاجتهاد واستنباط الأحكام، والمطلوب من علماء الإسلام ألاّ يكتفوا بحفظ التراث فقط، بل عليهم العودة إلى إعمال الفكر الإسلامي، وعندئذٍ يعود إليهم نور النبوة والإيمان والتطبيق والنفع لغيرهم.

وإنه لمِمَّا يثير الدهشة ابتعاد كثير من الشباب في العالم الإسلامي عن قيم الإسلام الروحية وانصرافهم عن تعاليمه، في الوقت الذي نجد فيه شباب العالم الغربي متعطشًا إلى هذه القيم، ولكنه لا يجدها في مجتمعاته العلمانية التي لا تعرف عن الإسلام شيئًا"(3).

أما عن أمنية ذلك المسلم الأمريكي داود التوحيدي:
"إن أمنيتي أن تتواصل دراساتي الإسلامية، والتخصص في مجال مقارنة الأديان؛ حتى أتمكَّن من الاشتراك في تربية الأجيال المقبلة من أبناء المسلمين في أمريكا، والتصدي للغزو الفكري هناك، وحتى أعمل على نشر الإسلام بين غير المسلمين. كما أتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه للإسلام تأثيرًا في إعادة صياغة المجتمع الأمريكي في المستقبل، وأن أشارك في نهضة الإسلام في أنحاء العالم؛ فالإسلام لا يعرف الأوطان، وإنما هو هداية مُرسلة إلى العالمين، والقرآن الكريم يقول عن رسول الإسلام: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

المصدر: كتاب (عظماء أسلموا) للدكتور راغب السرجاني.

(1) مفيد الغندور: الإسلام يصطفي من الغرب العظماء ص175، 176.
(2) المصدر السابق ص176.
(3) السابق نفسه ص177، 178.

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-10, 10:06 PM   #6 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي ابن دقماق .. مؤرخ الديار المصرية





ابن دقماق .. اسمه ونسبه
هو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي المعروف بابن دقماق القاهري الحنفي، مؤرخ الديار المصرية. ومصدر كلمة دقماق مشتق من الكلمة التركية "تقماق" ومعناها المطرقة [1]. ولقد أخطأ الكثيرون من المؤرخين عندما أشاروا إلى أنّ دقماق هو جده لأبيه، وأن مؤرخنا هو إبراهيم بن محمد بن دقماق [2].

أسرة ابن دقماق
أما والده محمد بن أيدمر فإننا نجهل حقيقة أمره، حيث لا تطالعنا المصادر بمعلومات وافية عنه، سوى ما وجدناه عند العسقلاني [3] من أن والد ابن دقماق محمدا، كان "دوادار" بدر الدين ابن خالة القلانسي وأنه توفي في الحادي والعشرين من شوّال سنة 761هـ‍ / 1359م بالعقيبة.

وأما جده أيدمر العلائي الذي لقبه دقماق فإننا أيضا لم نجد الشيء الكثير عن حياته وأثره سوى ما ذكره لنا ابن حجر العسقلاني من أنه كان متوليا نقابة العساكر المصرية آنذاك وكان من خيرة المتولين، وظل كذلك إلى أن توفي في رجب سنة 734هـ‍ / 1333م [4].

مولده ابن دقماق
ونعود إلى مؤرخنا ابن دقماق صارم الدين إبراهيم، حيث أجمعت المصادر التاريخية على أنه ولد في حدود سنة 750هـ‍ / 1349م وتوفي في حدود سنة 809هـ‍ / 1406م [5]. ولم نجد من خالف هذا التاريخ سوى السيوطي وحاجي خليفة، حيث ذكرا تاريخ وفاته في حدود سنة 790هـ‍ / 1388م [6]. وإن كان حاجي خليفة يعود ليستدرك فيشير في كتابه أكثر من مرة إلى وفاته في سنة 809هـ‍ / 1406م [7].

نشأة ابن دقماق
لم نقع في أغلب المصادر التي ترجمت لابن دقماق على مبدأ حياته العملية أو العلمية بشيء من التفصيل، بل كل ما وجدناه عنه هو شذرات يسيرة تعطينا فكرة واضحة عن خلفيات نشأته، وتشير تلك المصادر في أغلبها إلى أنّ ابن دقماق مؤرخنا كان في بداية أمره متزييا بزيّ الجند، ثم حبب إليه العلم فطلبه وتفقه يسيرا بجماعة من فقهاء الحنفية واتجه إلى الأدب، ثم حبب إليه التاريخ ومال إليه بكليته [8].

ولقد ذكره السخاوي [9] وقال عنه: "إن تصانيفه في التأريخ كانت مفيدة وجيدة واطلاعه كثير واعتقاده حسن، ولم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه". وذكره المقريزي فقال عنه: "إنه أكب على التاريخ حتى كتب فيه نحو مائتي سفر من تأليفه وغير ذلك. وكتب تاريخا كبيرا على السنين وآخر على الحروف وأخبار الدولة التركية في مجلدين، وسيرة للظاهر برقوق وطبقات الحنفية امتحن بسببها، وكان عارفا بأمور الدولة التركية مذاكرا بجملة أخبارها مستحضرا لتراجم أمرائها، يشارك في غيرها مشاركة جيدة" [10].

محنة ابن دقماق
ولقد وقعت لابن دقماق فتنة قاسى منها بسبب ما نسب إليه في وقوعه بحق الإمام الشافعي، وتفصيل الأمر أنه في سنة 804هـ‍ / 1401 م وجد بخط ابن دقماق كلام بحق الإمام الشافعي فاستجوب بذلك في مجلس القاضي الشافعي، فذكر أنه نقله من كتاب عند أولاد الطرابلسي، فكان أن حكم القاضي جلال الدين عليه بالضرب والحبس [11].

ثقافة ابن دقماق
لم يكن صارم الدين ابن دقماق ضليعا بثقافة أدبية ولغوية تجعلان منه مؤرخا على قدر من البلاغة ومتانة في اللغة العربية، وإن كان كما ذكره بعض المؤرخين غزير الإنتاج في كتاباته التاريخية، حيث قال عنه السخاوي نقلا عن المقريزي: إنه كتب ما يزيد على مائتي سفر منها [12].

ولا شك أن مؤرخنا هذا الذي عاش في العصر المملوكي وكان عارفا بأمور الدولة التركية ومتأثرا بطابعها، تأثر أيضا وإلى حد بعيد بثقافة ذلك العصر التي غلب عليها طابع العامية في الكتابة عند أكثر المؤرخين، وانتشار اللغة التركية في تلك الحقبة. ورغم ذلك فلقد وصف بعض المؤرخين ابن دقماق بأنه لم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه [13]، غير أنه رغم اشتغاله بالأدب كان عريا عن العربية فلهذا وقعت عبارته خارجة عن قواعد العربية. وقال عنه السخاوي: "كان يحب الأدبيات مع عدم معرفته بالعربية" [14].

أخلاق ابن دقماق
لقد أجمع المؤرخون على أن صارم الدين إبراهيم ابن دقماق كان جميل العشرة كثير الفكاهة، حسن الود، قليل الوقيعة في الناس [15]. قال عنه ابن العماد نقلا عن المقريزي: "كان جميل العشرة فكه المحاضرة كثير التودد، حافظا للسانه من الوقيعة في الناس، لا تراه يذم أحدا من معارفه بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمي به أحدهم ويعتذر بكل طريق" [16].

حياة ابن دقماق العملية
ذكرت بعض المصادر أنه في آخر أيامه تولى إمرة دمياط، فلم يفلح بها ولم تطل مدته فيها ورجع إلى القاهرة، فمات بها في ذي الحجة سنة 809هـ‍ / 1406 م وقد جاوز الستين [17].

مكانة ابن دقماق بين علماء عصره
مما لا شك فيه أن ابن دقماق كان من أبرز مؤرخي عصره، نظرا لوفرة تصانيفه في كتابة التاريخ وتنوعه في موضوعاته، ومما كان يعزز هذا الرأي ما أشار إليه كل من المقريزي (ت 845هـ‍ / 1441م) وابن حجر العسقلاني (ت 852هـ‍ / 1448م) وابن تغري بردي (ت 874هـ‍ / 1469م)، إلا أن العديد من مؤرخي ذلك العصر قد أخذوا عنه ونقلوا من كتبه وخطه الشيء الكثير.

ويذكر شمس الدين السخاوي [18] (ت 902/ 1496م) أن شيخه -ويقصد به ابن حجر العسقلاني- اعتمد ابن دقماق وأن غالب ما نقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه، مما يعني أيضا أن ابن الفرات (ت 807هـ‍ / 1404م) أخذ عن ابن دقماق وكذلك البدر العيني (ت 855هـ‍ / 1451م)، ويضيف أن البدر العيني يكاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية [19].

ويؤكد ابن حجر العسقلاني ما جاء سابقا أنه اجتمع بصارم الدين إبراهيم ابن دقماق كثيرا وغالب ما ينقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه [20]. ولا يفوتنا ذكر المقريزي عن صحبته لابن دقماق ومجاورته وملازمته له سنين كثيرة [21].

وإذا ما نظرنا إلى ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية لوجدنا أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق مدّة من الزمن كما أثبته "فولرز" في مقدمة كتاب ابن دقماق "الانتصار لواسطة عقد الأمصار"، حيث أشار إلى أنه رغم أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق فإنه لم يستطع أن يستفيد من مصنفات أستاذه، وأن ابن دقماق قد استمد من مصادر أهم من التي اعتمد عليها المقريزي [22]، كما أن السيوطي (ت 911هـ‍) ذكر في مقدمة كتابه "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" بأنه اعتمد في تأليف هذا الكتاب على مؤلفات كثيرة ومنها كتاب طبقات الحنفية لابن دقماق [23].

مؤلفات ابن دقماق
مما لا شك فيه أن مؤرخنا إبراهيم بن محمد بن أيدمر الملقب بابن دقماق، كان من أبرز مؤرخي الديار المصرية في وقته، كتب نحو مائتي مؤلف في التاريخ من تأليفه ومنقوله. وكان معروفا بالإنصاف في تواريخه. وبالرغم من غزارة كتاباته في التاريخ وغيره فإنه لم يبق منها إلا القليل المبعثر في مكتبات العالم، منها.

- الانتصار لواسطة عقد الأمصار
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، مشيرا إلى أنه في عشرة مجلدات، لخص منه كتابا سمّاه: "الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية" [24]. والجدير بالذكر أن كتاب الانتصار قد نشر منه "فولرز" المجلدين الرابع والخامس عن نسخة بخط مؤلفها تحتفظ بها دار الكتب المصرية تحت الرقم 1244 تاريخ، طبع بمصر سنة 1309 و1310هـ‍ / 1891 - 1892م مع فهارس مطولة للأعلام وفيهما وصف مطول للفسطاط وأسواقها وجوامعها ومدارسها وسائر أبنيتها وشوارعها، وكذلك الإسكندرية وضواحيها وجانب كبير من قرى مصر وبلادها [25].

- ترجمان الزمان في تراجم الأعيان
كتاب في التاريخ مرتب على الحروف، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وكحالة في معجم المؤلفين، ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية.

- الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين
كتاب عن تاريخ مصر إلى سقوط السلطان برقوق. حققه مؤخرا محمد كمال الدين عز الدين علي، ونشره في جزأين من منشورات عالم الكتب - بيروت 1983م.

- الدرّة المنضّدة في وفيات أمة محمد
ذكره كحالة في معجم المؤلفين.

- الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وهو كما ذكرنا سابقا مقتطف من كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار.

- عقد الجواهر في سيرة الملك الظاهر
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وكحالة في معجم المؤلفين.

- فرائد الفوائد
كتاب في تفسير الأحلام، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية.

- الكنوز المخفية في تراجم الصوفية
له ذكر في دائرة المعارف الإسلامية.

- نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان
كتاب في ثلاثة أجزاء يتناول الأول منها مناقب الإمام أبي حنيفة والثاني والثالث أصحابه. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، والزركلي في الأعلام، وكحالة في معجم المؤلفين.

- ينبوع المزاهر في سيرة الملك الظاهر
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وأيضا دائرة المعارف الإسلامية، وهو كتاب مختصر عقد الجواهر.

- نزهة الأنام في تاريخ الإسلام
وهو كتاب تاريخ مرتب على السنين انتهى به مؤلفه عند سنة 779هـ‍ / 1377م ويقع في حوالي 12 مجلدة [26]، منه قطعة من سنة 436 إلى سنة 552هـ‍ في "غوطا" بخط المؤلف وقطعة أخرى من سنة 628 إلى سنة 659هـ‍ في باريس، ومن سنة 701 إلى سنة 742هـ‍ ومن 768 إلى سنة 779هـ‍ في معهد "غوطا" وفي دار الكتب المصرية قطعة في 80 صفحة تبدأ بسيرة الملك المنصور علي من سنة 778 إلى سنة 804هـ‍ [27].

[1] دائرة المعارف الإسلامية باللغة العربية - المجلد الأول 1352هـ‍ / 1933 م، 1/ 160. جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 188
[2] السخاوي: الضوء اللامع، لأهل القرن التاسع، 1/ 11. حاجي خليفة:كشف الظنون، 5/ 18. ابن تغري بردي: المنهل الصافي، 1/ 120. السيوطي: حسن المحاضرة، 1/ 266.
[3] ابن حجر: الدرر الكامنة، 3/ 394.
[4] المصدر السابق، 1/ 430.
[5] الضوء اللامع، 1/ 11. ابن العماد: شذرات الذهب، 8/ 80. الزركلي: الأعلام، 1/ 64. آداب اللغة العربية، 3/ 188. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، 1/ 86. المنهل الصافي، 1/ 120.
[6] حسن المحاضرة، 1/ 266 . كشف الظنون، 5/ 18.
[7] كشف الظنون، 2/ 1151 و 1941 و 1961. دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 161.
[8] الضوء اللامع، 1/ 146، شذرات الذهب، 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120.
[9] الضوء اللامع، 1/ 146.
[10] القول هنا ما يزال للسخاوي نقلا عن المقريزي. الضوء اللامع، 1/ 146. شذرات الذهب، 8/ 81.
[11] الضوء اللامع، 1/ 146. المنهل الصافي، 1/ 120.
[12] الضوء اللامع، 1/ 146. الشذرات، 8/ 81.
[13] الضوء اللامع، 1/ 146. المنهل الصافي، 1/ 120.
[14] الضوء اللامع، 1/ 145.
[15] المصدر السابق، 1/ 145.
[16] شذرات الذهب، 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120 - 121.
[17] الضوء اللامع، 1/ 11. المنهل الصافي، 1/ 120 - 121.
[18] الضوء اللامع، 1/ 11. دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 160.
[19] باطلاعنا على الجزء الأول من كتاب عقد الجمان (حوادث 648 - 664هـ‍) للبدر العيني، الذي حققه الدكتو محمد محمد أمين بالقاهرة 1978، وهو الجزء الذي يشترك ببعض السنين مع أحداث مخطوطة ابن دقماق نزهة الأنام، لم نجد ما يشير إلى أن العيني نقل عن ابن دقماق، بل إنه اعتمد على العديد من المصادر المتنوعة التي كان يشير إليها في كتابه عندما يتعرض لحدث من الأحداث أو ترجمة من التراجم. قارن ما جاء عند العيني في ذكره لأحداث سنة 648هـ‍ و 656هـ‍ في عقد الجمان، الجزء الأول.
[20] ابن حجر: إنباء الغمر في أنباء العمر، 1/ 4.
[21] الضوء اللامع، 1/ 146. الشذرات 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120 - 121.
[22] دائرة المعارف الإسلامية 1/ 161
[23] مقدمة كتاب حسن المحاضرة - الجزء الأول.
[24] كشف الظنون، 1/ 174.
[25] تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 189.
[26] كشف الظنون، 2/ 1941، دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 160. الزركلي: الأعلام، 1/ 64. محمد رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي، 3/ 109.
[27] تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 188.


سمير طيارة

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-11, 09:41 PM   #7 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي الدولة الزيرية





نسب بني زيري
يرجع نسب بني زيري إلى قبيلة صنهاجة البربرية؛ التي تنتمي إلى فرع من البرانس، ولم تكن صنهاجة مجرد قبيلة؛ بل كانت شعبًا عظيمًا، لا يكاد يخلو قطر من أقطار المغرب من بطونه وأفراده، مما دفع ابن خلدون إلى القول بأنهم يمثلون ثلث البربر. وقد سكنت صنهاجة في مساحات شاسعة؛ امتدت من نول لمطة في جنوب المغرب الأقصى إلى القيروان بإفريقية، وهى منطقة صحراوية، آثروا السكنة فيها على غيرها من المدن الآهلة، لأنها- كما علل ابن خلدون- تتوافق مع طباعهم، ورغبتهم في الابتعاد عن الاختلاط بالناس، والفرار من الغلبة والقهر.

وظهرت أسرة بني زيري -في أول أمرها- في طاعة الفاطميين، وتعاونت معهم في صد الأخطار التي تعرضت لها دولتهم ببلاد المغرب، وكان أول اتصال بينهما في عهد المنصور الفاطمي، حين قدم زيري بن مناد وأهل بيته وقبيلته لمحاربة أبى يزيد الخارجي في سنة (335هـ / 946م)، فخلع عليه المنصور، ووصله، وعقد له على أهل بيته وأتباعه وقبيلته، فعظم شأنه، وصار بنو زيري أعوانًا وأتباعًا للفاطميين، ومن ثَم نشب الصراع بين الصنهاجيين، وقبائل زناتة، لأن زناتة كانت دائمة الإغارة على ممتلكات الدولة الفاطمية.

وحين عزم المعز لدين الله على الرحيل إلى مصر في سنة (361هـ / 972م) للانتقال إليها بخلافته، وقع اختياره على يوسف بُلكِّين بن زيرى بن مناد الصنهاجي ليتولى الإمارة بالمغرب خلفًا للفاطميين.

يوسف بُلكِّين بن زيرى بن مناد الصنهاجى [362 - 373هـ / 973 - 983م]
عينه المعز على ولاية المغرب، واستثنى من ذلك طرابلس المغرب، و أجدابية وسرت، وعين معه زيادة الله ابن القديم على جباية الأموال، وجعل عبد الجبار الخراساني وحسين بن خلف على الخراج، وأمرهما بالانقياد ليوسف بن زير.ي

واجه يوسف عدة ثورات واضطرابات بالمغرب، كان منها عصيان أهل تيهرت، ثم سيطرة قبيلة زناتة على مدينة تلمسان، وقد توجه إلى تيهرت بجنوده وأعادها إلى طاعته، كما توجه إلى تلمسان وأعادها إلى حكمه في سنة (365هـ / 976م).

وفي سنة (373هـ /984م) خرج الأمير يوسف على رأس جيوشه لاستعادة سجلماسة من أيدي بعض الثوار الذين استولوا عليها، ولكنه أصيب بمرض أودى بحياته في شهر ذي الحجة سنة (373هـ / مايو 984م).

المنصور بن يوسف بُلكِّين بن زيرى [373 - 386هـ / 984 - 996م]
أوصى الأمير يوسف بلكين قبل وفاته بالإمارة من بعده لابنه المنصور الذي كان بمدينة أشير حين بلغه خبر وفاة والده، وأقبل عليه أهل القيروان وغيرها من المدن، لتعزيته، وتهنئته بالولاية، فأحسن إليهم وقال لهم: إن أبى يوسف وجدي زيرى، كانا يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يُولَّى بكتاب، ويُعزل بكتاب، وقصد المنصور من ذلك أن الخليفة الفاطمي بمصر لا يقدر على عزله بكتاب.

وقد واجهت المنصور عدة مشاكل، كانت منها غارات قبائل زناتة المستمرة على المدن المغربية في سنة (374هـ / 985م)، واستيلاء زيري بن عطية الزناتى على مدينتى فاس وسجلماسة، مما دفع المنصور إلى إرسال أخيه يطوفت على رأس جيش كبير لمواجهة هذه القبائل، ودارت معركة كبيرة بين جموع الفريقين، أسفرت عن هزيمة الصنهاجيين، وعودتهم إلى أشير.

ثم تصدى الأمير المنصور في سنة (376هـ / 986م) لعمه أبى البهار الذي نهب مدينة تيهرت، ففر أبو البهار أمامه، ودخل المنصور المدينة، وأعاد إلى أهلها الأمن والهدوء. ثم تُوفي في يوم الخميس (3 من ربيع الأول سنة 386هـ / مارس 996م)، ودُفن بقصره.

باديس بن المنصور [386 - 406هـ / 996 - 1015م]
وُلد باديس في سنة (374هـ /985م)، وتكنى بأبى مناد، وخلف أباه على المغرب في سنة (386هـ /996م)، وأتته الخلع والعهد بالولاية من الحاكم بأمر الله الفاطمي من مصر، وبايع للحاكم، وأعلن تبعية بلاده لخلافته، ثم أقطع عمه حماد بن يوسف مدينة أشير، وولاه عليها، وأعطاه خيلا وسلاحًا، وجندًا كثيرًا.

فكانت هذه هي نقطة البداية لانقسام بني زيري إلى أسرتين: تحكم إحداهما بالمغرب الأدنى في ليبيا وتونس، وتحكم الأخرى -أسرة بني حماد- بالمغرب الأوسط في الجزائر، متخذة من قلعة بني حماد مقرا للحكم. وانفرد بنو حماد بإقليم الجزائر، نظرًا لضعف قبضة الأمير باديس على البلاد.

وقد واصل باديس مطاردة زناتة، وأُخبر في سنة (387هـ / 997م) بأن زيرى بن عطية الزناتى قد اعتدى على مدينة أشير، فبعث إليه بجيشه لمواجهته، ولكن الجيش هُزم على أيدى الزناتيين، فاضطر الأمير باديس إلى الخروج بنفسه لمواجهتهم في أشير، فلما علم الزناتيون بذلك انطلقوا إلى الصحراء، وتركوا المدينة، فدخلها باديس، وأقر الأمور بها، ثم مات في سنة (406هـ / 1015م).

المعز بن باديس [406 - 453هـ / 1015 - 1061م]
أُخذت البيعة للأمير المعز بن باديس بمدينة المحمدية، وتولى الأمر يوم وفاة أبيه وفرح الناس بتوليته لما رأوا فيه من كرم ورجاحة عقل، فضلا عن تواضعه، ورقة قلبه، وكثير عطائه، على الرغم من حداثة سِنه.

وقد حدثت في عهد المعز بن باديس بعض التطورات، حيث ألغى المذهب الشيعي، وخلع طاعة الفاطميين، ودعا على منابره للعباسيين، وتصالح مع أبناء عمومته الحماديين سنة (408هـ / 1017م)، وواصل مطاردة قبائل زناتة جهة طرابلس، في أبناء حماد. ثم أُصيب المعز بن باديس بمرض في كبده أودى بحياته في سنة (453هـ / 1061م)، بعد حكم دام سبعًا وأربعين سنة.

تميم بن المعز بن باديس [453 - 501 هـ / 1061 - 1108م]
وُلد بالمنصورية في منتصف رجب سنة (422هـ / يونيو 1031م)، ثم تولى إمرة المهدية في عهد والده المعز في سنة (445هـ /1053م)، ثم خلف والده في الإمارة في سنة (453هـ / 1061م)، فواجه عددًا من الاضطرابات والقلاقل، حيث سيطر العرب الهلاليون على كثير من مناطق إفريقية، وثار عليه أهل تونس وخرجوا عن طاعته، فأرسل إلى تونس جيشًا، حاصرها سنة وشهرين، فلما اشتد الحصار على الناس، طلبوا الصلح، وعاد جيش تميم إلى المهدية،ثم ثارت عليه مدينة سوسة فحاصرها وفتحها عنوة، وأمن أهلها على حياتهم.

وقد تعرضت المهدية في عهده لهجمات الهلالية، لكنه تمكن من صدهم، ثم حاصر قابس وصفاقس، واستولى عليهما من أيدي الهلالية الذين كانوا يحتلونهما. وعمد إلى مهادنة أبناء عمومته في الجزائر، وزوج ابنته للناصر بن علناس أمير الجزائر، وأرسلها إليه في موكب عظيم، محملة بالأموال والهدايا. ثم تُوفي في سنة (501هـ / 1107م).

يحيى بن تميم بن المعز بن باديس [501 - 509هـ / 1107 - 1115م]

ولد بالمهدية في (26 من ذب الحجة سنة 457هـ)، وولى الإمارة وعمره ثلاث وأربعون سنة وستة أشهر وعشرون يومًا، فوزَّع أموالا كثيرة، وأحسن السيرة في الرعية، ثم فتح قلعة أقليبية التي استعصى على أبيه من قبل فتحها، كما جهز أسطولاً كبيرًا، كان دائم الإغارة على الجزر التابعة لدولة الروم في البحر المتوسط، ومات فجأة في يوم عيد الأضحى سنة (509هـ - 1115م).

على بن يحيى بن تميم [509 - 515 هـ = 1115 - 1121م]
لم يكن الأمير على حاضرًا بالمهدية -التي وُلد بها- حين وفاة والده، فلما وصل إليه الخبر، حضر مسرعًا، ودفن والده، وتولى الإمارة خلفًا له، ثم جهز أسطولاً كبيرًا لمهاجمة جزيرة جَرْبَة، لأن أهلها قطعوا الطريق على التجار، وتمكن الأسطول من إخضاع الجزيرة، وأمَّن الأمير أهلها وعفا عنهم، ثم قضى على عصيان رافع عامله على قابس، الذى سعى إلى شق عصا الطاعة وحشد الجموع لمهاجمة المهدية. وقد تُوفي الأمير على في العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة (515هـ / يونيو 1121م).

الحسن بن على بن يحيى [515 - 543هـ / 1121 - 1148م]
ولى الإمارة عقب وفاة والده الأمير على، وكان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة، فقام صندل الخصيّ بإدارة شئون الحكم، إلا أنه تُوفي بعد فترة قصيرة، فتولى القائد أبو عزيز موفق الإشراف على أمور البلاد، وتمكن من صد الأسطول الرومي الذي هاجم بعض حصون الزيريين في سنة (517هـ / 1123م)، وكذلك ألحق الأمير الحسن الهزيمة بجيش يحيى بن عبد العزيز بن حماد أمير بجاية الذي جاء لمهاجمة المهدية والاستيلاء عليها في سنة (529هـ / 1135م).

وفي سنة (537 - 543هـ / 1142 - 1148م) حل القحط بإفريقية واستغل ملك صقلية ذلك وجهز أسطولاً كبيرًا، وتوجه به قاصدًا المهدية، ولم يستطع الحسن الدفاع عنها، وهرب بأهله ومتاعه إلى أبناء عمومته من بني حماد، فوضعوه وأهله تحت الحراسة، ومنعوه من التصرف في شيء من أمواله، ودخل الروم مدينة المهدية دون قتال أو ممانعة، فسقط حكم بني زيري، وسقطت إمارتهم، وكان الحسن بن على آخر أمراء الدولة الزيرية.

بعض المظاهر الحضارية لدولة بني زيري بالمغرب

الناحية الاقتصادية
كانت الزراعة هي دعامة الحياة الاقتصادية في المنطقة، التي تمتعت بالهدوء والاستقرار في ظل الحكم الزيرى فيما عدا الفترة التي شهدت هجوم العرب الهلالية على البلاد، وقد ساعد تطور نظام الري على تطور الزراعة، فعرفت المنطقة زراعة القطن وقصب السكر والشعير وازدهرت زراعة التمر والعنب والموز، ولعبت تربية الأغنام دورًا مهما في حياة الفلاح المغربي.

وقامت الأسواق المنتشرة بالمدن المغربية بدور مهم في تنشيط الحركة التجارية؛ حيث كانت هناك أسواق: البزازين، والجزارين، والزجاجين، وسوق الدجاج، وسوق الغزل، وغيرها من الأسواق التي ساعدت على ازدهار التجارة، وبخاصة في مدينة القيروان، فأصبحت المغرب بلدًا غنيا، وباتت قبلة تجار الشرق والغرب.

ونشطت حركة التصدير والاستيراد بها، واشتهرت مدينة باجة بتصدير كميات كبيرة من القمح، كما صُدِّر زيت الزيتون عن طريق مينائي سوسة وصفاقس إلى بلدان المشرق، وبلاد أوربا، فأدى هذا الازدهار إلى تطور الصناعات، وعرفت المدن المغربية صناعات النسيج و الجلود، والأوانى الفخارية، وغيرها من الصناعات المتنوعة.

الناحية الفكرية
فقد شهدت الناحية الفكرية ازدهارًا كبيرًا وتطورًا ملحوظًا، وبخاصة في مدينة القيروان التي أصبحت في طليعة العواصم الإسلامية ذات الأثر في تاريخ الفكر الإسلامي، وشهدت مساجد المغرب المناظرات الفقهية والكلامية بين الشيعة، والمالكيين من أهل السنة، وصمد علماء المذهب المالكي وفقهاؤه رغم ما لاقوه من سجن وتعذيب على أيدي الشيعة الفاطميين، وتعلق السكان بهذا المذهب، وأصبح مذهبهم الرسمي منذ ذلك الوقت حتى الآن.

الحركة الأدبية
وتطورت الحركة الأدبية في عهد المعز بن باديس الذي اشتهر بتشجيع أهل الأدب والعلم، وأحسن معاملتهم، مثلما أخبر عنه ياقوت بقوله: "وكانت القيروان في عهده وجهة العلماء والأدباء، يشدون إليها الرحال من كل فجّ، لما يرونه من إقبال المعز على أهل العلم والأدب وعنايته بهم".

ثم كان لاختلاط الهلاليين بسكان المغرب أثره الكبير في تعريب جزء من هؤلاء السكان، حيث امتزج المغاربة بالعرب الهلاليين على مر الأيام، وتزاوجا، فاختلطت الدماء، وتعلم سكان البلاد الأصليون لغة الوافدين العرب، فانتشرت اللغة العربية في مناطق كثيرة من المغرب، ومن ثم انتشرت الثقافة العربية بهذه البلاد.

قصة الاسلام

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-12, 11:56 AM   #8 ()
مساعد كبير المراقبين
 
الصورة الرمزية alskandr
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: اسكندرية
المشاركات: 4,197
: 322
افتراضي رد: الدولة الزيرية

فلا معلومات مفيدة
ونرجو المزيد
لكى يعرف الجميع تاريخ اوطا نهم
alskandr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-13, 12:05 AM   #9 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي كيف نحب رسول الله من خلال سيرته؟





حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

إنَّ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مجرَّد شعور نبيل يشعر به المؤمن تجاه الرسول الكريم الذي جعله الله سببًا في هدايتنا جميعًا؛ ولكنه في حدِّ ذاته من لوازم الإيمان التي لا بديل عنها؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" [1].

بل نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أولئك الذين قَدَّموا حبًّا على حُبِّه صلى الله عليه وسلم! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" [2]. وقال كذلك: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" [3].

وأكثر من ذلك أنه لم يقبل من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يُقَدِّم شيئًا على حُبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لو كان هذا هو حُبُّ النفس! قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ". فقال له عمر: فإنَّه الآن، واللَّهِ! لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "الآنَ يَا عُمَرُ"[4].

فعمر رضي الله عنه في هذا الموقف قدَّم حُبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حُبِّه للأهل، أو للمال، أو للولد، أو للوطن؛ لكنه استثنى النفس فقط، فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ذلك، ولم يقبل منه اكتمال الإيمان إلا بعد أن أعلن أنه يُقَدِّم حُبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حُبِّ نفسه.

هل تعيننا السيرة النبوية على حب الرسول؟
قراءة السيرة النبوية تعيننا على الوصول إلى هذا الحُبِّ؛ بل من الصعب أن تصل إلى هذه الدرجة دون وعي كامل وإدراك لكثير من مواقف السيرة.

والحقُّ أن قراءة أي موقف من مواقف السيرة كفيل بزرع حُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في القلب، وكلما قرأتَ أكثر أحببتَه أكثر، وليس هذا محدودًا بفترة معينة من فترات السيرة، ولا بقراءة نوع معين من المواقف، وإنما هذا يشمل -بكل تأكيد- السيرة بكاملها.

اقرأ مواقف العهد المكي أو المدني، اقرأ مواقف النصر كـ بدر والأحزاب وفتح مكة، واقرأ مواقف الأزمات والمصائب كـ أحد وحنين وماء الرجيع، اقرأ مواقفه مع المسلمين أو المشركين، واقرأ مواقفه مع اليهود أو النصارى، واقرأ مواقفه مع المؤمنين أو المنافقين. اقرأ مواقفه مع أصحابه، وكذلك مع أهل بيته، واقرأ مواقفه مع الكبار والصغار، ومع الرجال والنساء، ومع الأسياد والعبيد.

إن هذا الحب المتزايد لهو من أكبر دلائل الإيمان، وهو الدافع إلى الاتباع، وهو طريق الجنَّة، وهو سبيل رضا رب العالمين، وهو العاصم من الهلكة، والنجاة من الوعيد؛ قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].

إننا -في الواقع- بعد قراءة السيرة النبوية سنكتشف أننا لم نعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حقَّ المعرفة، ولم نعطه حقَّه الذي ينبغي له، ولم نفهم حياته على النحو الذي يُرضي ربنا عز وجل، إنني مهما قرأتُ في مواقف السيرة أكتشف أن هناك الكثير والكثير لا أعرفه؛ بل إن المواقف التي أحفظها عن ظهر قلب أجد فيها دومًا أمرًا جديدًا، إما في إشارة ظاهرة جلية، أو قراءة لفائدة بين السطور.

والعلماء في ذلك لهم فنون وإبداعات؛ فهذا يتدبَّر في موقف من مواقف السيرة من جانب، وهذا من جانب آخر، وغيرهما من جانب ثالث أو رابع، فتبقى السيرة النبوية متجدِّدة دومًا، وتبقى فوائدها غضَّة طريَّة، ولا يملُّ الإنسان أبدًا من تكرار قراءتها؛ بل إنه والله! كلما انتهى منها ازداد شوقًا لأن يعيد قراءتها، وليس هذا إلا للسيرة النبوية فقط.

ولهذا فإن من أعظم ما نُحَصِّله عند قراءة السيرة النبوية، فائدة "حب رسول الله صلى الله عليه وسلم"!

[1] البخاري: كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، (16)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال مَنِ اتصف بهنَّ وجد حلاوة الإيمان، (43).
[2] البخاري: كتاب الإيمان، حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، (15)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد، (44) عن أنس بن مالك رضي الله عنه واللفظ له.
[3] أحمد (13174) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[4] البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، (6257) عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه، وأحمد (18076).

slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2015-08-16, 07:25 AM   #10 ()
بأجازة
 
الصورة الرمزية محسن شعبان
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,148
: 321
افتراضي رد: كيف نحب رسول الله من خلال سيرته؟

جزاك الله خيرا

تقبل الله منا ومنك

محسن شعبان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 02:41 PM