إفتتاح قسم التبادل بنظام IPTV لأصحاب السيرفرات

سيرفر شيرينج IPTV عربي لمشاهدة جميع قنوات العالم المشفرة


العودة   نقاش الحب > القســـم الثقــافى > القســـم التعليمى > منتدي التربية و التعليم

منتدي التربية و التعليم كل ما يهتم بالبحوث والدروس والندوات والمحاضرات والمواد للمتعلمين.


الحضارة الإسلامية

كل ما يهتم بالبحوث والدروس والندوات والمحاضرات والمواد للمتعلمين.


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2020-08-04, 07:07 AM   #201 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب



ولد القاضي أبو عمر الأزدي سنة ثلاث وأربعين ومائتين في البصرة، وعاش في بغداد.

النسب والقبيلة:
القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوبقاضي القضاة أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل الأزدي مولاهم البغدادي، كان من أئمة الإسلام علما ومعرفة وفصاحة وبلاغة، وكان من خيار القضاة، ولم يخطئ في حكم من أحكامه.

مواقف من حياته:
هو الذي قضى بقتل الحلاج سنة 309هـ. يعزى إليه أمر ما كان ينبغي أن يقدم عليه، فقد ذكر ابن الأثير والمسعودي وغيرهما أن القاسم بن عبيد الله وزير الخليفة المكتفي كان يكره القائد بدر المعتضدي، وكان يعمل على قتله، وقد أوغر صدر الخليفة عليه، وكان بدر في واسط مع قادة آخرين يقوم بمهمة عسكرية، فدعاه الوزير إلى بغداد فامتنع فدعا الوزير أبا حزم قاضي المنطقة الشرقية ببغداد وطلب إليه أن يذهب إلى بدر ويطيب نفس الخليفة عليه ويدفع إليه كتاب أمان منه، فطلب القاضي من الوزير أن يسمع ذلك من الخليفة بالذات، فصرفه الوزير ودعا القاضي أبا عمر بن يعقوب وقال له مثل ما قال للقاضي أبي حازم، فسار إلى بدر وبلغه أمان الخليفة، فخرج بدر من واسط يريد بغداد فأرسل الوزير غلمانا وأمرهم بقتله، فلما وصل إلى المدائن تنحى عنه القاضي عمر، وفجأه الغلمان فقتلوه وحملوا رأسه للوزير، وحزن الناس على بدر وقال الناس في القاضي شعرا فيه طعن وهجاء لما فعل من تمكين وزير حقود قتل قائد كبير في يوم جمعة وفي شهر الصوم... "موقع الإسلام"

شيوخه:
قرأ العلم على أكابر علماء البصرة، وروى عن زيد بن أخرم والحسن بن أبي الربيع وجماعة حمل عنهم في صغره...وكان يجلس للتدريس، وقد أخذ الناس عنه علما كثيرا...

تولّيه القضاء:
ولي قضاء مدينة المنصور في خلافة المعتضد بالله ثم ولي قضاء الجانب الشرقي للمقتدر بالله ثم قلده قضاء القضاة سنة سبع عشرة وثلاثمئة وكان له مجلس في غاية الحسن كان يقعد للإملاء والبغوي عن يمينه وابن صاعد عن يساره وابن زياد النيسابوري بين يديه وقد حفظ من جده حديثا وهو ابن أربع سنين...

أراء العلماء فيه:
قال عنه صاحب العبر: وكان من خيار القضاة حلما وعقلا وجلالة وذكاء وصيانة...

وفاته:
توفي ببغداد، في رمضان، سنة 320 هـ، 933 م
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-05, 05:00 AM   #202 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي مدينة على حدود الأسطورة: القاهرة من أبوابها



خرجت القاهرة إلى الوجود سنة 358 هـ= 969م لتعلن عن بداية حقبة جديدة في تاريخ مصر والمنطقة العربية كلها، فقد بنيت القاهرة لتكون عاصمة لدولة مستقلة وخلافة شيعية منافسة للخلافة العباسية السنية القائمة آنذاك في بغداد. وقد بناها القائد جوهر الصقلي بعد أن فتح مصر باسم الفاطميين الذين كانت دولتهم قد قامت في شمال أفريقيا. وقد اختار جوهر الصقلي للمدينة الجديدة اسم "المنصورية"؛ ولكن الخليفة المعز لدين الله أول الفاطميين بمصر اختار لها اسم القاهرة. وكانت القاهرة"… رابع موضع انتقل إليه سرير السلطنة من أرض مصر فى الدولة الإسلامية…" على حد تعبير المؤرخ تقي الدين المقريزي، خير من كتب عن القاهرة وأرَخ لها على مرِ الزمان حتى الآن.

فقد كانت الفسطاط العاصمة الأولى لمصر بعد الفتح الإسلامي؛ وقد بناها الفاتح عمرو بن العاص على هيئة مدينة عسكرية بعيدة عن الإسكندرية التي اتخذها البيزنطيون عاصمة لمصر تحت حكمهم. وقد أسكن عمرو بن العاص جنوده في المدينة الجديدة على شكل خطط أو أحياء خصص كلا منها للمحاربين من أبناء القبائل العربية التي كونت جيش الفتح الإسلامي. وفى فترة لاحقة بنيت مدينة" العسكر" خارج الفسطاط لتكون معسكرًا للجيش. وبعدما نجح أحمد بن طولون في الاستقلال بمصر مع الاحتفاظ بالولاء للخلافة العباسية، بنى مدينة القطائع عاصمة جديدة لمصر على أمل أن يبني أسرة حاكمة من سلالته؛ ولكن الدولة الطولونية لم تعش أكثر من بضع وثلاثين سنة ثم سقطت وعاد مركز العاصمة في عصر الولاة الثاني إلى مدينة العسكر، وظل ذلك ساريًا حتى فتح الفاطميون مصر وبنوا القاهرة…

وكان الموضع الذي بنيت فيه القاهرة فضاء تكسوه الرمال يعبره الناس في طريقهم من الفسطاط ذهابًا وإيابًا. وعندما بناها جوهر الصقلي كان القصد أن تكون عاصمة للدولة الجديدة وحصنًا أمام الفسطاط خوفًا من القرامطة الذين زحفوا صوب مصر سنة 360 هجرية؛ كما كان القصد أن تكون دار خلافة، وسرير ملك، وأن تكون مدينة الحاكم والحاشية والحامية. ولكن القاهرة أبت إلا أن تكون عاصمة للناس وتمردت على رغبة منشئها وخرجت عن الحدود التي رسمها لها والسور الذي طوقها به؛ كما رفضت أن تكون غريبة على المصريين. ومنذ عصر الأيوبيين، خاصة في عهد الملك الكامل، بدأت القاهرة تتخلص من طابعها الفاطمي لتصير عاصمة حقيقية لمصر على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فلم تعد مدينة الحاكم والحاشية والحامية كما أراد لها الفاطميون، بل تألقت باعتبارها مدينة الناس. وقال تقي الدين المقريزي "… فصارت مدينة سكن بعد أن كانت حصنًا يعتقل به، وابتذلت بعد الاحترام …" وهو كلام يبدو غريبًا من رجل أحب القاهرة كما لم يحبها أحد غيره.

بيد أن المثير في قصة القاهرة أنها خرجت إلى الوجود تتبختر في دلال بمنطقة الحدود بين التاريخ والأسطورة: فقد راجت حول بنائها حكايات خيالية من إبداع الشعب حول وضع أساسها والظروف التي صاحبت بناءها. وعلى الرغم من أن الأساطير والحكايات الشعبية راجت حول القاهرة وأبوابها على مدى أكثر من ألف عام، فإن هذه الدراسة سوف تقصر اهتمامها على أبواب القاهرة وكيفية تناولها بين التاريخ والتراث الشعبي. وتتناول تاريخ أبواب القاهرة والمعتقدات الشعبية التي ارتبطت بها: سواء أبوابها الأصلية التي بناها القائد الفاطمي جوهر الصقلي مع المدينة، أو تلك التي تجددت أو استحدثت عبر العصور… وما قد خرب منها واندثر، وما بقي من هذه الأبواب حتى اليوم وما ارتبط بها من أحداث التاريخ الحقيقي، وما جرت به الألسن بين الناس من حكايات واعتقادات أنتجها الخيال الشعبي.


بنى جوهر الصقلي حول القاهرة سورًا من الطين اللبن؛ وكانت كل طوبة في هذا السور كبيرة الحجم (ذراع طولًا في ذراع عرضًا) بحيث كان يمكن أن يمرَ فوق السور السميك فارسان متجاوران ويسيران عليه بسهولة. ومن المهم أن نشير إلى أن مدن ذلك الزمان كانت تحيط بها الأسوار والحصون والبوابات للدفاع عنها ضد الجيوش الغازية، وعبث اللصوص، وغدر الغرباء؛ وكانت أبواب المدن تفتح مع شروق الشمس، وتغلق بعد الغروب لتأمين الناس في داخلها. ولم تكن القاهرة استثناء في ذلك بطبيعة الحال فقد أنشأ جوهر الصقلي عدة أبواب في نواحيها الأربعة.

ويلفت النظر أن أبواب القاهرة الأصلية قد اندثرت بمرور الزمن، وبنيت عوضًا عنها أبواب جديدة تحمل أسماء الأبواب الأصلية نفسها على مسافة منها تمثل المساحة التي زادت في حجم المدينة التي خرجت من ثوبها الذي حبسها فيه جوهر والذي ضاق عليها بفعل التطورات السكانية والجغرافية التي جرت عليها: ففي الجهة القبلية من السور كان القائد الفاطمي قد أنشأ بابين باسم زويلة قرب مسجد عرفه الناس آنذاك باسم " جامع سام بن نوح" في عصر سلاطين المماليك. وقد اندثر هذان البابان، ولم يبق منهما سوى عقد أحد البابين الذي عرفه الناس آنذاك باسم "الباب القوس". وقد ارتبطت ببابي زويلة الأصليين بعض المعتقدات الشعبية، كما ارتبطت حكايات شعبية أخرى بباب زويلة الكبير الذي بناه أمير الجيوش بدر الدين الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله سنة 485هـ= 1092م وكذلك بعض الأحداث التاريخية. ومن المدهش أن المعتقدات الشعبية ارتبطت بواحد فقط من بابي زويلة الأصليين دون الآخر. ويقال إن المعز لدين الله الفاطمي عندما جاء إلى مصر دخل من الباب الملاصق للمسجد فتيامن الناس بهذا؛ وصاروا يكثرون المرور من هذا الباب دخولًا وخروجًا وهجروا الباب الآخر بشكل شبه كامل؛ وسرت على ألسنة الناس شائعة مؤداها أن من مرَ من هذا الباب لا تقضى له حاجة. وعندما بنى بدر الدين الجمالي باب زويلة الكبير، الذي نجا من عاديات الزمان حتى الآن، صار مكان البابين القديمين داخل المدينة بعد بناء سورها الجديد.

وعندما سقطت الدولة الفاطمية وبدأت دولة الأيوبيين، بنى الأمير "بهاء الدين قراقوش" السور الثالث للقاهرة في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة566هجرية. وكان السور هذه المرة من الحجر كما كان أطول كثيرًا من السور الثاني الذي بناه بدر الدين الجمالي في العصر الفاطمي، وقد ضم القاهرة والفسطاط والقلعة جميعًا. ودخلت منطقة بابي زويلة القديمين في رحاب المدينة وزالت المعالم القديمة تمامًا ولكن المعتقدات الشعبية المرتبطة بها ظلت موجودة، واتخذت شكلًا جديدًا وقدمت تبريرًا مختلفًا: فقد عُرف المكان باسم "الحجارين" بعد اندثار معالم البابين. وفى هذا المكان كانت تباع أدوات الطرب وآلات الموسيقى؛ فقد كان المكان"… سوقًا للمعازف وموضعًا لجلوس أصحاب الملاهي". وقد ذاع بين القاهريين أن الشخص الذى يمرُ من هذا المكان لا تقضى له حاجة. وجرى على ألسنة البعض أن ذلك النحس كان "… من أجل أن هناك آلات المنكر وأهل البطالة من المغنيين والمغنيات … وليس الأمر كما زعم فإن هذا القول جار على ألسنة أهل القاهرة من حين دخل المعز إليها …". في هذا النص يكشف المقريزي عن أن الموروث الشعبي المتعلق ببابي زويلة الأصليين ظل باقيا حتى أيامه على الأقل (منتصف القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي) واتخذ صورة جديدة ولكن جوهره المتمثل في فكرة أن المكان منحوس يضفي شؤمه على كل من يسلك طريقه منه ظل باقيا عبر الزمان.

على أية حال، شهدت القاهرة بناء سورها الثاني منذ إنشائها؛ فقد بنى أمير الجيوش بدر الدين الجمالي ذلك السور من الطوب اللبن السميك وزاد فيه الزيادات التي نشأت في المساحة ما بين بابي زويلة القديمين، وباب زويلة الكبير الذي بناه. وعلى الرغم من أن السور كان مبنيًا من الطوب اللبن فإن الأبواب الجديدة، ومنها باب زويلة، كانت مشيدة من الحجارة. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن بابي زويلة القديمين اللذين بناهما جوهر الصقلي، وباب زويلة الكبير الذي بناه أمير الجيوش بدر الدين الجمالي، تنسب كلها إلى قبيلة زويلة المغربية التي جاءت ضمن جيش جوهر القائد. وكان لهم حي خاص بهم في القاهرة الفاطمية قرب البابين القديمين. ففي العصر الفاطمي نفسه تم تجديد باب زويلة بصورة اختلفت تماما عن الأصل. وقد وصف المقريزي باب زويلة من حيث شكله والتطورات التاريخية التي جرت عليه بعد أن أعاد بدر الجمالي بناءه فقال إنه زاد من ارتفاع أبراجه. وعمل في مدخله كتلة كبيرة من حجر الصوان ملساء بحيث تنزلق عليه خيول المهاجمين، وظلت الأرضية الملساء موجودة حتى أمر بإزالتها السلطان الكامل الأيوبي بسبب سقوطه من فوق فرسه عليها. ويفهم من كلام المصادر التاريخية أنه كانت هناك صعوبة في إخراج هذه الصخرة بحيث اضطر العمال إلى تكسيرها إلى قطع صغيرة على عدة مراحل.

وكان الذي بنى باب زويلة الجديد رجل بنَاء جاء من الرها (أوديسا في تركيا الحالية)، وكان هذا الرجل قد جاء مصر مع اثنين من أخوته، وكان الأخوة الثلاثة بنائين فبنى كل منهم بابًا من أبواب القاهرة بديلًا للأبواب القديمة التي تهدمت: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر. وظل باب زويلة بحالته التي بنى عليها أيام بدر الجمالي حتى حدث في عصر سلاطين المماليك أن السلطان المؤيد شيخ المحمودي (815- 824هـ) أراد أن يبني الجامع الذي يحمل اسمه، فأغلق أحد مدخلي باب زويلة وأنشأ المئذنتين الموجودتين أعلى باب زويلة حتى الآن. وهذه البوابة الضخمة عبارة عن كتلة بنائية ضخمة ترتفع 24 مترًا بعرض 26 مترًا وعمقها 25 مترًا. وهي على شكل برجين مستديرين يتوسطهما ممر كان يدخل الناس ويخرجون عندما كانت القاهرة تفتح أبوابها صباحا وتغلقها في المساء؛ ولها باب خشبي يزن حوالي أربعة أطنان يتحرك على مصاريع لفتح البوابة وإغلاقها. وقد قام فريق من الأثريين وخبراء الترميم الأثري من المصريين والأمريكيين بترميم باب زويلة وتنظيفه وإعادة تشغيل الباب الخشبي بعد أن ظل ثابتا لا يتحرك بسبب تراكم الأتربة والطين عليه منذ عدة عقود؛ وتم فتح باب زويلة ثانية سنة 2003م.

ويطلق القاهريون عدة أسماء على باب زويلة توارثوها على مدى الأجيال بالإضافة إلى اسمه الأصلي: أشهرها "باب المتولي" نسبة إلى المحتسب أو متولي الحسبة الذي كان مقره في عصر سلاطين المماليك على مقربة من باب زويلة بحيث يمكنه مراقبة الأسواق والشوارع بنفسه وبمساعدة معاونيه، كذلك كان يطلق على باب زويلة "باب المؤيد" نسبة إلى السلطان "المؤيد شيخ المحمودي" الذي بنى مسجده في هذا المكان وبنى مئذنتي جامعه فوق الباب في عصر المماليك الجراكسة.

ومن الناحية التاريخية، ارتبط باب زويلة بأحداث تاريخية مهمة سواء في بداية عصر سلاطين المماليك (1250 – 1517 م) أو في نهاية ذلك العصر. فقد حدث في عهد السلطان المظفر سيف الدين قطز أن وصلت إلى القاهرة رسالة تفيض تهديدًا ووعيدًا من التتار الذين كانوا قد اجتاحوا الجزء الشرقي من العالم الإسلامي وقضوا على الخلافة العباسية في بغداد. وجاء في تلك الرسالة على لسان هولاكو: "… إنا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلطنا على من حلَ به غضبه فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وسلموا إلينا أمركم …" كانت الرسالة تفيض عنفا وغطرسة؛ وجاء رد قطز مساويًا في العنف والتحدي: فقد قتل رسل التتار الأربعة، وقد أعدم أحد الرسل في سوق الخيل تحت القلعة، والثاني خارج باب زويلة، والثالث خارج باب النصر؛ أما الرابع فقد تم قتله فى الريدانية بالقرب من ضاحية العباسية الحالية من ضواحي القاهرة. ثم علقت رؤوسهم جميعا على باب زويلة …. وهو ما صار تقليدًا فيما بعد طوال ذلك العصر حتى مصرع طومان باي آخر سلاطين المماليك شنقًا على باب زويلة.

هكذا ارتبط باب زويلة ببداية حكم سلاطين المماليك، كما ارتبط بنهاية عصرهم بعد مائتين وسبعين عامًا أو يزيد. ففى سنة 922 هجرية= 1517م بعد الهزيمة التي نالت السلطان قنصوه الغوري وقتله تحت سنابك الخيل فى مرج دابق ببلاد الشام؛ دخل الجيش العثماني مصر بقيادة السلطان العثماني سليم الأول (سليم خان). وعبثًا حاول طومان باي مقاومة الغزاة ولكن دولته كانت قد دالت منذ زمن، وسلمته يد الغدر إلى عدوه حين أمن هذا الغدر عند حسن بن مرعى من عربان الشرقية الذي كان قد لجأ إليه بعد انهيار جيشه بسرعة. وأمر سليم بشنق طومان باي على باب زويلة. وشنق بالفعل بين الدموع وعلامات الأسى والأسف التي علت وجوه من شاهدوا النهاية المأساوية للسلطان الأخير الذي تدلت جثته من المشنقة تعلن عن نهاية عصر وبداية عصر جديد في تاريخ مصر والمنطقة العربية والعالم الإسلامي كله.

وكان باب زويلة الأوفر حظًا من الشهرة بين جميع أبواب القاهرة في تلك الفترة الممتدة في رحاب الزمان، وقد انتشرت من حوله، وعنه، حكايات وأساطير ومعتقدات على مرِ الأيام والسنين؛ ولكنه لم يكن باب القاهرة الوحيد بطبيعة الحال. ففي الجهة البحرية من القاهرة التي كانت تؤدى إلى مكان ضاحية عين شمس الحالية (حيث كانت بداية طريق قوافل الحج البرية صوب الحجاز)، كان هناك باب النصر الذي بناه جوهر الصقلي على شكل بابين أيضا ضمن السور الأصلي، وأعاد أمير الجيوش بدر الين الجمالي بناءه بالحجر. ومن المثير في هذا المقام أن كل جهة من الجهات الأربع من سور القاهرة الأصلي كان بها بابان. وقد اندثرت هذه الأبواب جميعا مع مرور الزمان، ثم أعاد بدر الجمالي بناءها من الحجارة لتبقى تحمل أسماء الأبواب الأصلية التي اندثرت على مسافة من المواضع التي كانت الأبواب القديمة قائمة بها. لقد أعاد الجمالي بناء باب النصر بالحجارة حين بنى السور الثاني للقاهرة الفاطمية وكان من بناه أخا الرجل الذي بنى باب زويلة الكبير، وبنى أخوهما الثالث باب الفتوح أيضًا. وكانت المسافة بين الأبواب الجديدة والأبواب القديمة تمثل المسافة الزائدة في حجم القاهرة منذ بناها جوهر الصقلي سنة 358 هجرية حتى سنة 485 هجرية عندما بنى بدر الدين الجمالي سور القاهرة الثاني الذي ضم كل المناطق الجديدة داخل السور.

وقد ارتبطت بباب النصر بعض مظاهر الحكم والسياسة في العصر الفاطمي: فقد كان من عادة الخلفاء الفاطميين أن يخرجوا من باب النصر لصلاة العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى خارج هذا الباب. وفى بداية كل سنة هجرية كان الخلفاء يخرجون في موكب مهيب يدور دورتين: الدورة الكبرى تخرج من القصر الفاطمي إلى باب النصر الذى يخرجون منه ليدور الموكب حول سور القاهرة ويزور المناطق الموجودة خارج العاصمة ليعود ويدخل المدينة من باب الفتوح؛ وفى الدورة الصغرى كان موكب الخليفة يخرج من القصر إلى باب النصر أيضا ويسير بحذاء سور القاهرة ليعود من باب الفتوح إلى قصر الخليفة أيضًا بدون المرور على الأماكن الموجودة خارج السور كما حدث في الدورة الكبرى (وقد وصفت المصادر التاريخية المعاصرة مواكب الخلفاء الفاطميين بكثير من الإسهاب والتفصيل).

كان الباب الثالث الذي بناه بدر الدين الجمالي ضمن أعماله في السور الثاني، باب الفتوح الذي بني بالحجارة على يدي البنَاء الثالث من الأخوة الذين قدموا من الرها كما أشرنا في السطور السابقة. ومن الطبيعي أن باب الفتوح الجديد جاء على مسافة من الباب القديم شأنه شأن بقية الأبواب التي أعيد بناؤها وقد أشرنا إلى أن هذا الباب أيضا ارتبط باحتفالات الفاطميين واستعراضاتهم في المناسبات ذات الطابع الديني والتي كان القصد الرئيسي منها إبهار المصريين وتأكيد السطوة والمهابة الفاطمية في نفوسهم.

في الجهة الشرقية من سور القاهرة، باتجاه جبل المقطم الذي بنيت القاهرة أصلًا في رحابه، كان يوجد بابان: أحدهما "باب البرقية" والثاني "باب القراطين" الذي صار يعرف في عصر سلاطين المماليك باسم "الباب المحروق". وقد بنى الأمير بدر الدين الجمالي بابين جديدين بدلًا من البابين اللذين لم ينجيا من عاديات الزمان في السور الثاني للقاهرة يحملان اسم باب البرقية وباب القراطين. وقد عرفت المنطقة بين البابين القديمين والبابين الجديدين باسم "بين السورين"؛ وينطقها العامة "بين الصورين" وهي منطقة تجارية مشهورة في القاهرة القديمة. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن "باب البرقية" قد بقي قائمًا وجدده علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801م) ولكن الباب تعرض للتدمير بعد ذلك واكتشفت آثاره عندما تم شق طريق صلاح سالم سنة 1957م ولكن مصيره النهائي لا يزال غامضًا بعد إزالة آثاره لبناء الطريق.

أما "الباب المحروق"، فكان اسمه في البداية "باب القرَاطين" نسبة إلى سوق القراطين الذي كان موقعه خارج هذا الباب، وفى ذلك السوق كان يباع القرط (البرسيم) اللازم لتغذية الحيوانات والطيور والدواجن المنزلية. وهذا الباب المواجه لصحراء المقطم يرتبط بقصة الصراع التاريخي الذي دار في بداية عصر المماليك بين السلطان عز الدين أيبك وزوجته شحر الدر من ناحية، والمماليك البحرية وأميرهم "فارس الدين أقطاي الجمدار" من ناحية أخرى. فقد تنازلت السلطانة شجر الدر عن الحكم بعد أن جلست على العرش ثمانين يوما بسبب المعارضة الداخلية والخارجية لها ؛ وتزوجت عز الدين أيبك بموافقة كبار الأمراء "…وبقيت الديار المصرية بلا سلطان مدة …" وذلك في سنة 648 هجرية= 125م، وصار هو السلطان، استهتر به الأمير فارس الدين أقطاي وأخذ يتطلع إلى عرش السلطنة؛ وجاهر بذلك وكان يركب في موكب بالقاهرة ببعض شعائر الملك وكان أصحابه يسمونه " الملك الجواد"… كل ذلك والمعز سامع مطيع …" حتى خطب فارس الدين أقطاي بنت الملك المظفر تقي الدين محمود أحد أمراء الأيوبيين في الشام وطلب من السلطان أيبك أن يسمح له أن يسكن القلعة مع عروس المستقبل. وهنا أدرك أيبك مدى خطورة أقطاي الذي كان يتطلع إلى اكتساب الشرعية من زواجه بهذه الأميرة الأيوبية، وقرر هو وزوجته شجر الدر التخلص من هذا الغريم المزعج ودعاه إلى القلعة حيث كان قد دبَر مؤامرة لاغتياله سنة 652هجرية= 1254م. ورفض الأمير بيبرس البندقدارى (الذي تولى عرش السلطنة فيما بعد) الصعود إلى القلعة وبقي مع حوالي سبعمائة فارس من المماليك البحرية تحت القلعة ظنا منهم أن أقطاي سجين بالقلعة. وعندما ألقيت عليهم رأس أقطاي المقتول من فوق أسوار قلعة الجبل فروا إلى بلاد الشام بعد أن أدركوا ما ينتظرهم إذا طالتهم قوات السلطان.

ولما كانت أبواب القاهرة موصدة كالعادة بعد الغروب، توجهوا إلى أقرب الأبواب، وهو باب القراطين، قبالة جبل المقطم وأحرقوه ليخرجوا منه إلى بلاد الشام حيث تقلبت بهم الأحوال إلى أن جاء التهديد التتري؛ فعاد بيبرس ورفاقه إلى مصر للمشاركة في قتال التتر. ولعب بيبرس والبحرية دورًا كبيرًا في هزيمتهم في معركة عين جالوت سنة 658 هجرية= 1260م، ثم اغتال قطز وهو عائد بنصره الكبير وجلس على عرش السلطنة باسم السلطان الظاهر بيبرس الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة سلاطين المماليك.

على أية حال، فإن هذه الأبواب كانت أهم أبواب القاهرة الى ارتبطت من حيث أسمائها بأبواب القاهرة الأصلية التي كان جوهر الصقلي قد أنشأها عند بناء المدينة، والتي أعاد بناءها بالحجارة أمير الجيوش بدر الدين الجمالي كما أشرنا في السطور السابقة في منتصف القرن الحادي عشر عندما بنى السور الثاني للقاهرة.. وعلى الرغم من أن بهاء الدين قراقوش الأسدي بنى السور الثالث للقاهرة كله بالحجارة وزاد فى طول السور، بقصد أن يحيط السور بالقاهرة وتوسعاتها والفسطاط (التي كانت تعرف في مصطلح ذلك العصر باسم مصر) وقلعة الجبل، فإن أبواب المدينة بقيت على حالها تحمل أسماءها القديمة نفسها.

بيد أن هناك عدة أبواب أخرى استجدت في القاهرة في فترات تاريخية مختلفة وورد ذكرها في المصادر التاريخية التي تحدثت عن تاريخ المدينة العريقة وجغرافيتها. وكان بهاء الدين قراقوش قد زاد في سور القاهرة على امتداد المسافة ما بين باب القنطرة إلى باب الشعرية كما زاد قطعة أخرى في السور من باب النصر إلى باب الوزير. ويحسن بنا أن نتحدث بإيجاز عن هذه الأبواب المستحدثة.

أما "باب القنطرة"، فقد عرف بهذا الاسم لأن القائد الفاطمي جوهر الصقلي بنى في هذا المكان قنطرة فوق الخليج الذي كان يمر إلى الجهة القبلية من الفسطاط، وقد عرفت القنطرة أيضا باسم "قنطرة بنى وائل" نسبة إلى سكان هذه المنطقة. وكان الهدف من هذه القنطرة أن يعبر جوهر عليها بقواته لملاقاة القرامطة عندما زحفوا على مصر سنة 360 هجرية متجهًا نحو المقس (بوابة جمرك القاهرة التي كانت موجودة آنذاك بالقرب من مكان ميدان رمسيس الحالي). وكان موقع باب القنطرة عند التقاء سور القاهرة الغربي بسورها الجنوبي وقد بناها بهاء الدين قراقوش زمن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة 570 هجرية عوضا عن الباب القديم وقبالته على بعد مسافة خمسة وعشرين مترا منه. وقد ذكر العالم المحقق الأستاذ محمد رمزي أن العامة يخلطون بين باب القنطرة وباب الشعرية.

وعند هذا الباب كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي قد بنى "منظرة اللؤلؤة" التي كانت متنزها للخلفاء الفطميين، وكانت بها قصورهم التي يقيمون بها وقت فيضان النيل. وقد هدمها الخليفة الحاكم بأمر الله، ثم جدد بناءها الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله. وقد ذكر المؤرخ أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى أن “… قصر اللؤلؤة عند باب القنطرة، وهو من القصور المعدودة بالقاهرة … وصار متنزها للخلفاء الذين كانوا يقيمون فيه وقت زيادة النيل أيام الفيضان وقد بقي حتى ناله الخراب في أيام الشدة المستنصرية … " (وهو الاسم الذى اشتهرت به سنوات المجاعة التي نتجت عن نقص مياه الفيضان زمن الخليفة المستنصر بالله) "…وذهب من محاسن القاهرة شيء كثير من عظم الغلاء والوباء " أما باب الشعرية فينسب إلى طائفة من البربر الذين قدموا مع القائد جوهر الصقلي يقال لهم "بنو الشعرية" من حلفاء قبيلة لواتة المغربية ؛ وكانوا قد نزلوا المنوفية.

كذلك كان من أبواب القاهرة "باب الوزير" الذي بني في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي زمن أحد أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون في سنة 742ه= 1341م لكي يسهل مرور سكان القاهرة إلى المقابر الملاصقة للسور، وتم تجديد هذا الباب في عصر المماليك سنة 909 هـ= 1503م.

وقد ذكرت المصادر التاريخية "باب الخرٌق" من أبواب القاهرة دون أن تورد أي تفاصيل عنه. ولأن موضعه كان على رأس شارع تحت الربع الحالي، وقريبًا من موضع الباب المحروق الذي سبقت الإشارة إليه فإنني أرجح أن يكون قد تم الخلط بين البابين. وعلى أية حال فإن مصلحة التنظيم بالقاهرة في النصف الأول من القرن العشرين استهجنت الاسم وغيَرته إلى باب الخلق؛ وهو الاسم الذي يطلق في أيامنا هذه على المنطقة الواقعة بالقرب من دار الآثار الإسلامية ومتحف الفن الإسلامي اليوم تحت القلعة حيث تمت حادثة الحرق التي قام بها بيبرس والبحرية قبل هروبهم إلى الشام.

وبالقرب من هذا المكان تحدثت المصادر التاريخية عن "باب سعادة" الذي كان يطل على الخليج غرب القاهرة القديمة (شارع بور سعيد حاليا). وينسب هذا الباب إلى "سعادة بن حيان" الذي كان غلامًا للخليفة الفاطمي المعز لدين الله. وكان قد جاء على رأس فرقة عسكرية من المغرب سنة 360هجرية لمساعدة القائد جوهر ونزل بناحية الجيزة. ثم خرج جوهر للقائه فترجل عن فرسه ودخل القاهرة ماشيًا من هذا الباب فأطلق عليه الناس "باب سعادة" وقد تهدم هذا الباب في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وفى القرن العشرين سُدَ هذا الباب تماما وأغلق الطريق الذي كان يخرج من باب سعادة. وعندما بنى منصور باشا يكن قصره في هذه المنطقة وألحق به حديقة كبيرة اندثرت معالم الباب والطريق (وقد صار قصر منصور باشا يكن مبنى محافظة القاهرة القائم الآن في وقت لاحق ودخل جزء من الطريق في حرم القصر كما بنيت مكان الحديقة محكمة الاستئناف الحالية في باب الخلق). وقد زال باب سعادة تماما بعد بناء مديرية أمن القاهرة سنة 1960م، بيد أن المنطقة لا تزال تحمل اسم "درب سعادة" حتى اليوم.

بطبيعة الحال لم تكن هذه جميع أبواب القاهرة ذات التاريخ العريق لكنها الأشهر بين هذه الأبواب بدون شك والأكثر ذكرًا في مصادر التاريخ وحكايات الناس ونمو مدينة القاهرة نفسها وتطورها[1].

[1] دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-06, 03:17 AM   #203 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي الصحابي الجليل مرثد الغنوي



هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي، وأبوه صحابي، كان من السابقين الأولين، ومن المهاجرين، وحينما هاجر إلى المدينة، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت، وقد شهد مرثد الغنوي غزوة بدر، وأبلى فيها بلاءً حسنًا.

عُرف عن مرثد القوة والشدة والبأس، ولذلك كان يقوم بمهمة من أخطر المهام، وهي نقل الأسارى والمستضعفين من المسلمين من مكة إلى المدينة سرًا، وفي إحدى مهامه كان قد وعد رجلًا من أسرى مكة يحمله من مكة إلى المدينة، ولكن في ذهابه إليه أبصرت به امرأة من بغايا أهل مكة يُقال لها عَناق، أبصرت به في أحد الأحياء بمكة، وكانت عَناق هذه صديقةً له في الجاهلية، ولـمـــّـــا أبصرت به عرفته ودعته إلى أن يقضي الليلة معها كما كان يفعل في الجاهلية، ولكنه أبى وقال لها: يا عَناق إن الله عزّ وجلّ حرّم الزنا.

وهنا صاحت عَناق بأعلى صوتها كاشفة عنه: يا أهل مكة، هذا مرثد الذي يحمل الأسرى من مكة، وقد دوَّى صوتها في أهل الحي الذين كانوا يتربصون بـمرثد كل شر وسوء، يقول مرثد: فاتبعني ثمانية رجال، وسلكت الخندمة (جبل بمكة)، فانتهيت إلى كهف فدخلته، وجاؤوا حتى أقاموا على رأسي، وعمَّاهم الله عنّي ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، ففككت عنه قيوده، ثم جعلت أحمله حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت هذه الآية {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3]، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وقال: لا تنكحها.

توفي مرثد في شهر صفر سنة ثلاث من الهجرة على أشهر الأقوال، وذلك في غزوة الرجيع الذي كان فيها أميرًا على سرية قوامها ستة نفر، وقيل: عشرة، وخرج عليهم مئة رجل مجهزين بالسلاح والعتاد، فلم يَسْتَكِنْ مرثد ولم يستسلم للأسر، وقاتل هو ورفاقه ما وسعهم القتال، حتى انتهى أمره شهيدًا على أرض المعركة[1].


[1] ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ= 1992م، 3/ 1383- 1386، وابن الأثير: أسد الغابة، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ= 1994م، 5/ 132، والمقريزي: إمتاع الأسماع، المحقق: محمد عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ= 1999م،1/ 185، وابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ، 6/ 55، 56.

قصة الإسلام
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-09, 07:32 AM   #204 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي المسجد في القرآن الكريم



ورد ذكر المسجد والمساجد والمسجد الحرام في القرآن الكريم - بلفظها - ثمانيًا وعشرين مرة، ووردت الإشارة إلى المسجد الحرام بلفظ بيت سبعة عشر مرة، ووردت الإشارة إليه باسم مقام إبراهيم ومصلى مرة واحدة، ووردت الإشارة إلى المساجد بلفظ البيوت مرة واحدة، ولكل مرة مناسبتها، وفيما يلي بيان بعض المناسبات:


أ- مسجد قبل الإسلام:
{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21].

{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7].

الكلام موجه إلى بني إسرائيل.

ب- من الذين لا يجوز لهم بناء المسجد ومن الذين يجوز لهم؟
{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18].

ج- أعداء المساجد:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 114، 115].

د- مسجد الضرار ومسجد التقوى:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 107 - 109].

هـ- بعض أحكام ا لمساجد:
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29].

{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

{وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187].

{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدً} [الجن: 18].

و- من حكمة القرآن:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144].

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 149، 150].

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191].

{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196].

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 34، 35].

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7].

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 25 - 33].

ح- وورد ذكر المسجد الحرام بلفظ البيت في الآيات التالية:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة: 125، 128].

{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96، 97].
{وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2].

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97].

{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 34، 35].

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 25، 26].

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].

{لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33].

{وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)} [الطور: 1 - 4].

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} [قريش: 1 - 4].

{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)} [إبراهيم: 37].


ووردت المساجد باسم البيوت في سورة النور:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)} [النور: 37 - 39].


حسين مؤنس: المساجد، ص13- 19..
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-10, 01:12 PM   #205 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي مصر الحضارية بعد دخولها الإسلام



كانت مصر قبل دخول الاسلام إليها ولاية رومانية منذ موت كليوباترا في ثلاثينات القرن الأول قبل الميلاد، وحتى معاهدة الاسكندرية سنة 641م التي تم فيها تسليم مقاليد الأمور الى عمرو بن العاص، وطوال ما يقرب من سبعة قرون، كانت مصر مجرد سلة الخبز للإمبراطورية الرومانية، وكانت لا تزال في سباتها الحضاري بعد فترة التوهج الفرعونية الطويلة، وفترة مغالبة السبات التي تلتها طوال حكم الأسرة البطلمية، ولم تسهم مصر في الحضارة الإنسانية خلال تلك الفترة سوى عن طريق الديانة المسيحية، سواء بتقديم الرهبنة إلى العالم المسيحي أو بصوغ بعض المذاهب اللاهوتية التي رأت فيها كنيسة الأسكندرية نوعًا من وسائل المقاومة ضد هيمنة الكنيسة البيزنطية، وقد تبلور الموقف “الوطني” المصري حول موقف الكنيسة المصرية التي لقيت كل صنوف العنت والاضطهاد بسبب ذلك.

لقد غيرت مصر دينها مرتين: من العبادات الفرعونية القديمة الى المسيحية مرة، ومرة أخرى من المسيحية الى الإسلام، لكنها لم تغير لغتها وإطارها الثقافي سوى مرة واحدة من اللغة المصرية القديمة، بتطوراتها المختلفة ومسمياتها الثلاثة، إلى اللغة العربية، وكان هذا في حد ذاته نوعًا من التحول في مسيرة مصر الحضارية عبر تاريخها الطويل.

كانت مصر في عصور الفراعنة أرض حضارة رائدة، تعلمت منها شعوب كثيرة، ونقل عنها الإغريق القدماء، وتعلم منها الرومان كما تعلموا من كل الشعوب التي غلبوها بالقوة العسكرية، ثم جاء العصر البطلمي فالروماني، ولم تتأغرق مصر مع أن اللغة اليونانية ظلت حية في مدرسة الإسكندرية، ويشهد تراث مدرسة الاسكندرية في العصر الهيللينستي على نوع من الحيوية الثقافية والحضارية حقًا، ولكنها انحصرت في دوائر الأسرة الحاكمة من اليونان المتمصرين، ومن لف لفهم من الشرائح التي ترتبط دائمًا بالحكام في كل المجتمعات الإنسانية، وبقيت الكتلة الكبرى من جماهير المصريين خارج نطاق هذه الحياة، وبعيدة عن الأخذ بثقافة الحكام وأساليبهم.

وبعد مقتل كليوباترا السابعة، ابنة بطليموس الزمّار آخر ملوك البطالمة في مصر، تحول هذا البلد الى ولاية رومانية تابعة للإمبراطور مباشرة، ولم يحدث في حياة المصريين شيء يذكر سوى انهم استبدلوا سيدًا أجنبيًا بسيد أجنبي آخر، على رغم أن البطالمة كانوا تمصروا من ناحية، كما أنهم كانوا يحكمون مصر حكمًا مستقلًا من ناحية أخرى، ولم تستطع الحاميات العسكرية الرومانية، بطبيعة الحال، أن تؤثر في المجتمع المصري الذي ظل يواصل حياته بعيدًا عن الحكم وأهله، وحينما انتشرت المسيحية في مصر، آثر المصريون أن تكون كنيستهم الوطنية مستقلة متمايزة عن كنيسة الإمبراطورية البيزنطية التي ورثت الحكم الروماني في مصر، وكان ذلك سببًا من أسباب معاناة المصريين وكنيستهم، ومرة أخرى لم يستطع الحكم البيزنطي أن يفرض لغته أو ثقافته على المصريين.

ماذا حدث بعد الفتح الاسلامي لمصر؟
لقد دخل الجيش الاسلامي، بقيادة عمرو بن العاص، مصر واستقر فيها المسلمون بعد ذلك.
ولقد كان هذا الفتح بداية عصر جديد في التاريخ المصري، تحولت فيه مصر من دور المفعول به الى دور الفاعل الحضاري المؤثر في المنطقة، مثلما كانت الحال زمن الفراعنة، إنَّ دخول المسلمين بقيادة عمرو بن العاص إلى مصر كان في الحقيقة عملًا عسكريًا تمت ممارسته بالقوة المسلحة، وهو أمر طبيعي عند مستوى الممارسة السياسية والعسكرية، فلا يمكن بداهة أن تقوم دولة بفرض سيطرتها على دولة أخرى أو ولاية من ولايات هذه الدولة الأخرى من دون عمل عسكري، تلك هي طبيعة العلاقات الدولية في كل العصور.

وكانت دولة الخلافة الاسلامية دولة صاعدة تواجه دولتين آفلتين هما دولتا الفرس والروم، وكان الصدام محتمًا بين هذه الدول الثلاث بحكم حقائق الجغرافيا السياسية وحقائق التراث التاريخي.

ولأن الدولة العربية الإسلامية كانت دولة مثل سائر الدول، فإن آليات العلاقات السياسية مع القوى المعاصرة كانت محكومة بقوانين العقيدة السياسية والقوة العسكرية، وكان الإسلام قوام العقيدة السياسية في حين كان الجهاد عصب القوة العسكرية في هذه الدولة، وأسفر الصدام المحتوم عن اختفاء دولة الفرس وذوبانها في الكيان الإسلامي الأوسع، وتقلص مساحة دولة الروم إلى بقاع صغيرة في آسيا الصغرى وحول القسطنطينية وبعض المناطق على الضفة الأوروبية من المضايق، وخرجت المنطقة العربية على الشواطئ الشرقية والجنوبية من نطاق السيادة البيزنطية لتشكل منطقة القلب في الكيان الإسلامي كله، وكان ذلك أمرًا مدهشًا، ولا يزال، فقد تعربت المنطقة وصار الاسلام دين الغالبية من أبنائها، في حين انتشر الإسلام في مناطق أخرى ولكنها لم تتعرب بشكل نهائي.

وكانت مصر حلقة المفصل بين مشرق المنطقة العربية ومغربها، وفي غضون أقل من قرنين ونصف القرن من الزمان كانت مصر طورت شخصية سياسية متمايزة داخل دولة الخلافة، وبدأت فيها محاولات بناء الدولة المستقلة متمثلة في أسرة أحمد بن طولون، ومن بعدها في الأسرة الإخشيدية، ثم قامت الدولة الفاطمية في خمسينات القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وأعقبتها الدولة الأيوبية التي أسّسها صلاح الدين الأيوبي في خضم الصراع ضد الصليبيين، وورثها المماليك عن سادتهم الأيوبيين في خضم الصراع ضد الصليبيين والمغول بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وعلى المستوى السياسي كانت مصر تحولت الى قوة فاعلة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي منذ زمن أحمد بن طولون في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، وحتى مقتل السلطان طومان باي مشنوقًا على أيدي العثمانيين على باب زويلة في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي.

تحولت مصر بفضل الحضارة العربية الإسلامية إلى قوة حضارية فاعلة على المستوى السياسي والعسكري بعد سبات طويل تحت حكم البيزنطيين والرومان والبطالمة من قبلهم، وبعد أن تمت عملية الأسلمة والتعريب على مدى قرنين ونصف القرن من الزمان تقريبًا، تحولت مصر من ولاية تتبع دولة الخلافة الراشدة، ثم الأمويين فالعباسيين، إلى دولة شبه مستقلة، ثم إلى دولة خلافة منافسة، ثم صارت المعقل الأخير للدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية على مدى ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف القرن عصر الأيوبيين والمماليك.

وهنا ينبغي أن نلاحظ أن الآلية التي سمحت لمصر بهذا التحول الدرامي المثير في دورها السياسي والعسكري ترتبط بطبيعة الحضارة العربية الإسلامية التي تقوم على أسس إنسانية عالمية تعترف بالآخر وتفسح له مكانًا وهو الأمر الذي لم يحدث، ولم يكن ممكنًا أن يحدث، في ظل الإمبراطورية الرومانية ووريثتها البيزنطية التي لم تسمح لمصر بأن تخرج عن دور سلة الخبز الرومانية.

لقد تم فتح مصر بالقوة العسكرية حقًا، وكان هذا من عمل الدولة وآلتها العسكرية، لكن الثابت من المصادر التاريخية كافة أن الفاتحين لم يجبروا أهل البلاد على اعتناق دينهم أو التحدث بلسانهم، ولن نتحدث عن مساعدة الأقباط لجيش عمرو بن العاص، فهو أمر مشهور ومعروف، ولن نتحدث عن موقف بنيامين، بطريرك الأقباط الفار إلى الصعيد من اضطهاد البيزنطيين، من عمرو بن العاص والمسلمين، فذلك أمر معروف أيضًا.

ولكننا نلاحظ أن الإسلام لم يصبح دين الغالبية سوى بعد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، كما أن اللغة العربية صارت لغة المصريين جميعًا في الإدارة والعلم والثقافة والحياة اليومية مع نهاية القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، ويعتبر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي أهم القرون في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية في مصر، إذ جاء ليشهد نضوج عملية المواءمة بين تراث مصر الحضاري الطويل من ناحية وما جاءت به العروبة من ناحية أخرى، وخرجت مصر بشخصية ثقافية متمايزة داخل المجرى العام للثقافة العربية الإسلامية، شأنها في ذلك شأن دمشق الشام، وبغداد العراق، والقيروان، وغيرها من الحواضر العربية الاسلامية التي وُجدت في كل منها مدارس علمية متنافسة متعاونة في آن معًا. وبفضل مفهوم “دار الإسلام” كانت الرحلة في طلب العلم من أهم عوامل الحيوية الثقافية والتلاقي الفكري والعلمي في كل أركان العالم الإسلامي، وهنا وهناك بدأ الابداع العلمي والثقافي والفني في رحاب الحضارة العربية الإسلامية، وشارك المسيحيون واليهود بقدراتهم في هذا الابداع بفضل التسامح الذي ميز الحياة في العالم الاسلامي عمومًا، ولم تكن مصر استثناء في ذلك بطبيعة الحال.

فمنذ البداية تطورت في مصر مدارس فقهية وأدبية، وبرز فيها فلاسفة وشعراء وعلماء، ووفد اليها نظراؤهم من كل مكان، ثم تزايد دور مصر الثقافي بعد سقوط الخلافة الفاطمية في الربع الأخير من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وبروز الدور الذي لعبه الأيوبيون ثم ورثه عنهم سلاطين المماليك. وصارت القاهرة مقصد العلماء والباحثين والفقهاء والفنانين عندما اشتدت وطأة الهجوم على العالم الإسلامي من الشرق والغرب.

وكان على القاهرة أن تكون القلعة والحصن الحامي على المستوى السياسي والعسكري، وعلى المستوى الثقافي والعلمي أيضًا، وتكشف أسماء العشرات من الفقهاء والعلماء والأطباء وعلماء الفلك والمؤرخين والجغرافيين والفلاسفة والمتصوفة والفنانين والمهندسين الذين تحفل بهم صفحات كتب التراجم والسير، عن أن مصر أسهمت بشكل فاعل في الحفاظ على تراث الحضارة العربية الإسلامية حين جرت على العالم الاسلامي شرقًا وغربًا وقائع وأحداث كشفت عن الوهن الذي أصاب ذلك العالم.

ولسنا بصدد رصد الإسهامات المصرية في الحضارة العربية الإسلامية، لكن ما نريد أن نوضحه هو أن دخول الجيش الإسلامي إلى مصر حوّل المسار التاريخي لهذه البلاد بشكل واضح، وغيرها من حال التبعية السلبية للإمبراطورية البيزنطية إلى قوة حضارية نشطة في رحاب الحضارة العربية الاسلامية، ولأن مخزون التراث الحضاري الطويل لدى مصر وجد الحافز المنشط في الإسلام والعروبة، الإسلام نظامًا للقيم والمثل وعقيدة وشريعة وأساسًا للفعل الإنساني الأخلاقي، والعروبة لسانًا وانتماءً ثقافيًا، فإن مصر عادت بعد انقطاع دام قرونًا طويلة لكي تسهم في الحضارة الانسانية.

لم يكن الفتح الإسلامي لمصر مجرد استبدال حاكم أجنبي بحاكم أجنبي آخر، وانما كان انتقالًا من حال إلى حال: من حال التبعية السياسية والخضوع العسكري والعالة الحضارية، إلى حال المشاركة في صنع حضارة قوامها الدين الجديد واطارها اللغة التي تتشابه في جوانب كثيرة مع لغة المصريين، وإلى حال القيادة والريادة عندما دهم العالم الإسلامي خطر الصليبيين القادم من الغرب الكاثوليكي، وخطر التتار القادم من الشرق، وعلى رغم التدهور الذي أصاب المنطقة العربية كلها منذ القرن السادس عشر الميلادي، فإن أي مشروع نهضوي تقدمي في مصر أو العالم العربي يتجاهل البعد العربي والإسلامي لا بد وأن ينتهي بالإخفاق والفشل.

منقول بتصرف، المصدر دكتور قاسم عبده قاسم: دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-11, 05:46 AM   #206 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي أبو زرعة الرازي



نسب أبو زرعة الرازي ومولده
هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي[1]، أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين[2]، كما كان أحد الأئمة في علم الحديث، وأعلم الناس بحديثَ مالك بن أنس[3]، ولد بعد نيف ومائتين[4]، وقيل: ولد سنة 190هـ، وقيل: سنة 200هـ[5].

وكان أبو زرعة الرازي إمامًا ربانيًا، متقنًا، حافظًا، مكثرًا صادقًا[6]، قال عن نفسه: أحفظ مائتي ألف حديث، كما يحفظ الإنسان: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1][7]، وقد أثنى عليه كثير من العلماء الأجلاء منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وكان أبو زرعة تلميذ لهما وأخذ عنهما، فكانا يعظمانه ويثنيان عليه بالحفظ والفضل والقيام بالسنة، وكان أحمد بن حنبل يدعو له[8]، وقد روى عن أبو زرعة من الحفاظ والمحدثين خلق كثير، منهم الإمام مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه[9].

ثناء العلماء على أبو زرعة الرازي
قال أبو حاتم: حدثني أبو زرعة وما خلف بعده مثله علمًا وفقهًا وفهمًا وصدقًا، وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل[10]، وقال أحمد بن حنبل: ما جاوز الجسر أحد أحفظ من أبي زرعة[11]،. وقال عبد الواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة بعينه مثل نفسه أحدًا، وقال عمرو بن سهل بن صرخاب: ما ولد في خمسين ومائة سنة مثل أبي زرعة[12]، قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي، وقال إسحاق بن راهوية: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس له أصل[13]، وقال محمد بن يحيى النيسابوري: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله عزوجل لهم مثل أبي زرعة، وما كان الله عزوجل ليترك الارض إلا وفيها مثل أبي زرعة يعلم الناس ما جهلوه[14]، وقال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس[15].

وفاة أبو زرعة الرازي
توفي أبو زرعة الرازي بمدينة الري في سنة 264 هـ= 878م[16]، وقيل: مات سنة 268هـ[17]، وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول "مات أبو زرعة مطعونًا مبطونًا يعرق الجبين منه في النزع"، وقد صار للبيت ضجة ببكاء من حضر[18].



[1] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، تحقيق: دكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ= 2002م، 12/ 33.
[2] المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: دكتور: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ= 1980م، 19/ 89.
[3] ابن عبد البر: الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى، تحقيق وتخريج: عبد الله مرحول السوالمة، دار ابن تيمية للنشر والتوزيع والإعلام، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1405هـ= 1985م، 1/ 642.
[4] الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ= 1985م، 13/ 65.
[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، دكتور بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003 م، 6/ 361.
[6] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 12/ 33.
[7] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 13/ 68.
[8] ابن عبد البر: الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى، 1/ 642.
[9] الذهبي: تاريخ الإسلام، 6/ 361.
[10] المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 19/ 95.
[11] الذهبي: تاريخ الإسلام، 6/ 363.
[12] ابي حاتم: الجرح والتعديل، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، الهند، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1/ 329.
[13] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 13/ 70، 71.
[14] ابي حاتم: الجرح والتعديل، 1/ 329، 330.
[15] ابن حبان: الثقات، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة الأولى، 1393ه‍= 1973م، 8/ 407.
[16] الذهبي: تاريخ الإسلام، 6/ 366.
[17] ابن حبان: الثقات، 8/ 407.
[18] تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413هـ= 1/ 64.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-12, 08:18 AM   #207 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي يونس بن عبد الله بن مغيث



الإمام الفقيه المحدث، شيخ الأندلس، قاضي القضاة، بقية الأعيان، أبو الوليد ; يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث بن محمد بن عبد الله بن الصفار، القرطبي.

ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة في قرطبة، وعاش به.

طفولته وتربيته:
نشأ في بيت علم وصلاح مما كان له أكبر الأثر في حياته، فقد كان والده عالما كبيرا، قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام:

وكان أديبا شاعرا بارعا بليغا كاتبا مع العبادة والتواضع والفضل وزهد في الدنيا في آخر عمره.

وأخبر هو عن أبيه:

سمعت أبي يقول: أوثق عملي في نفسي سلامة صدري أني آوي إلى فراشي ولا يأوي صدري غائلة لمسلم

ملامح شخصيته وأخلاقه:
ومن ما يميزة رقة الطبع، وصفاء الروح، ومن شعره:

فررت إليك من ظلمي لنفسي وأوحشني العبا د فأنـت أنسي

رضاك هو المنى وبك افتخاري وذكرك في الدجى قمري وشمسي

قصدت إليـك نقطعا غريبا لتؤنـس وحدتي في قعـر رمسي

وللعظمى من الحاجات عندي قصـدت وأنت تعلم سـر نفسي

شيوخه:

حدّث عن: أبي بكر محمد بن معاوية القرشي صاحب النسائي وأبي عيسى الليثي وإسماعيل بن بدر وأحمد بن ثابت التغلبي وتميم بن محمد القروي والقاضي محمد بن إسحاق بن السليم. وتفقه مع القاضي أبي بكر بن زرب وجمع مسائله

وروى أيضا عن: أبي بكر بن القوطية وأحمد بن خالد التاجر ويحيى بن مجاهد وأبي جعفر بن عون الله وابن مجلس الكبير. وأبي زكريا بن عائذ والزبيدي وأبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي وأبي محمد عبد المؤمن وأبي عبد الله بن أبي دليم

وسمع منهم وأكثر عنهم وقد أجاز له من المشرق: الحسن بن رشيق وأبو الحسن الدارقطني.

تلاميذه:

روى عنه: مكي بن أبي طالب القيسي وأبو عبد الله بن عائذ وأبو عمرو الداني وأبو عمر بن عبد البر ومحمد بن عتاب وأبو عمر بن الحذاء وأبو محمد بن حزم وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي وأبو عبد الله الخولاني وحاتم بن محمد ومحمد بن فرج مولى ابن الطلاع وخلق سواهم.

مؤلفاته:

كتاب فضائل المنقطعين إلى الله عز وجل ؛ وكتاب التسلي عن الدنيا بتأميل خير الآخرة ؛ وكتاب فضائل المتهجدين ؛ وكتاب التسبيب والتيسير ؛ وكتاب الابتهاج بمحبة الله عز وجل ؛ وكتاب المستصرخين بالله تعالى عند نزول البلاء وغير ذلك من تواليفه في معاني الزهد وضروبه...



توليه القضاء:

وولي أولا قضاء بطليوس ثم صرف. وولي خطابة مدينة الزهراء. ثم ولي القضاء والخطبة بقرطبة مع الوزارة. ثم صرف عن جميع ذلك ولزم بيته.

ثم ولي قضاء الجماعة والخطبة سنة تسع عشرة وأربعمائة فبقي قاضيا إلى أن مات.

آراء العلماء فيه:

قال عنه يوسف بن تغري برديفي النجوم الزاهرة:

كان من أوعية العلم كان فقيهًا محدثًا عالمًا زاهدًا.

وقال صاحبه أبو عمر بن مهدي رحمه الله " كان نفعه الله من أهل الحديث والفقه كثير الرواية وافر الحظ من علم اللغة والعربية قائلا للشعر النفيس في معاني الزهد وما شابهه بليغا في خطبه كثير الخشوع فيها لا يتمالك من سمعه عن البكاء مع الخير والفضل والزهد في الدنيا والرضا منها باليسير ما رأيت فيمن لقيت من شيوخي من يضاهيه في جميع أحواله كنت إذا ذاكرته شيئا من أمور الآخرة أرى وجهه يصفر ويدافع البكاء ما استطاع وربما غلبه فلا يقدر أن يمسكه وكان الدمع قد أثر في عينيه وغيرها لكثرة بكائه وكان النور باديا على وجهه وكان قد صحب الصالحين ولقيهم من حداثته ما رأيت أحفظ منه لأخبارهم وحكاياتهم.... "

وفاته:

توفي في قرطبة ( سنة 429 ه، 1038 م ) عن إحدى وتسعين سنة، ودفن يوم الجمعة العصر لليلتين بقيتا من رجب وشيعة خلق عظيم، وكان وقت دفنه غيث وابل رحمه الله.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-13, 08:07 AM   #208 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي القاضي أبو سعد الهروي



المولد والنسب:
القاضي أبو سعد الهروي هو: محمد بن نصر بن منصور، أبو سعد القاضي الهروي (نسبة إلى قرية من قرى هراة)، أحد مشاهير الفقهاء وسادة الكبراء، وكان من قرية من قرى هراة، وكان يلقب بزين الإسلام.

كان في صباه يؤدب الصبيان، وكان في بداية أمره وراقاً في بعض المدارس، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ، وكان من دهاة العالم، وترسل من الديوان العزيز إلى الملوك وبعد صيته وعظمت رتبته.

القضاء:
قدم دمشق ووعظ بها ثم توجه إلى بغداد فولي قضاء الشام وعاد قاضيا فأقام مدة، ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم.

قال ابن النجار: ولي القضاء ببغداد سنة اثنتين وخمسمائة للمستظهر بالله على حريم دار الخلافة وما يليه من النواحي والأقطار، وديار مضر وربيعة وغير ذلك، وخوطب بأقصى القضاء "زين الإسلام"، واستناب في القضاء أبا سعد المبارك بن علي المخرمي الحنبلي بباب المراتب وباب الأزج والحسن بن محمد الأسراباذي الحنفي باب النوبي وأبا الفتح عبد الله بن البصاوي بسوق الثلاثاء.

ثم عزل في شوال سنة أربع وخمسمائة واتصل بخدمة السلاطين السلجوقية فتقدم في دولتهم واستعملوه سفيرا بينهم إلى أن قتل.

آثاره:
كانت له يد في النظم والنثر وله شعر رائق فمنه يقول:

البحر أنت سماحة وفضل... فالدر ينثر بين يديك وفيكا

والبدر أنت صباحة وملاحة... والخير مجموع لديك وفيكا

وقد مر بقرية فاختفى رئيسها منه فكتب بديهاً:

أقول لركبٍ عائدين إلى الحمى... إذا ما وقفتم في جوار قبابنا

فأهدوا لفتيان الندى سلامن... وقصوا عليهم حالنا في ذهابنا

لنا جارة قالت لنا كيف حالكم... وقد ساءها مس الضنى من جنابنا

رأت حولنا غرثى يرومون عنده... فضالة زاد من بقايا جرابنا

فقلت لها أما الجواب فإنن... أناس غلطنا مرة في حسابنا

فعدنا وقلنا عل ثم ضرورة... ولمنا وأمسكنا عنان عتابنا

شفينا قلوباً صلنا عند ظنن... بكل تداوينا فلم يشف ما بنا

ومن شعره أيضا:

أودعكم وأودعكم جناني... وأنثر دمعتي نثر الجمان

وإني لا أريد لكم فراق... ولكن هكذا حكم الزمان

ولما استولى الصليبيون على القدس سنة 492هـ، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين وجاسوا خلال الديار وتبروا ماعلوا تتبيرا، توجه القاضي أبو سعد مع وفد من أهل الشام إلى بغداد يستغيثون بالخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع من هذا الوفد هالهم ذلك وتباكوا، وقد نظم أبو سعد الهروى كلاما قرىء في الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس.

رأي العلماء فيه:
يقول صاحب (تاريخ دمشق): "أنبأنا أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل في تذييل تاريخ نيسابور قال: محمد بن نصر بن منصور القاضي أبو سعد: الهروي رجل من الرجال، داه من الدهاة، كان من ابتداء أمره من النازلين في الدرجة مكتسبا بالوراقة وتوجيه الوقت في ضيق من المعيشة، وكان ذا حظ في العربية ومعرفة من الأصول وخط حسن، سخي النفس بذولا لما تحويه".

وفاته:
قتلته الباطنية الإسماعيلية بهمذان في شعبان سنة ثمان عشرة وخمسمائة (على أكثر الروايات وأدقها)، وقيل سنة تسع عشرة وخمسمائة.

أهم المراجع:

- تاريخ الإسلام، ج1، ص 3604، 3605.

- تاريخ دمشق، ج56، ص 107.

- البداية والنهاية، ج12، ص 156، 195.

- الوافي في الوفيات، ج1، ص 629.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-16, 02:35 PM   #209 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي ابن الأثير



نسب ابن الأثير ومولده ونشأته
هو الشيخ، الإمام، العلامة، المحدث، الأديب، النسابة، عز الدين، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري، الشيباني[1]، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب بعز الدين[2]، ولد بجزيرة ابن عمر[3]، التابعة للموصل[4]، في سنة 555هـ= 1160م[5]، ونشأ بها في بيئة دينية عريقة في التدين، وبين أسرة علمية أصيلة في العلم[6].

ابن الأثير ورحلته العلمية
كان والد ابن الأثير ثريًا يمتلك عدة بساتين وقرية، إضافة إلى ذلك كان يشتغل بالتجارة إلى جانب وظائفه الحكومية في جزيرة ابن عمر، فقد كان رئيس ديوانها ونائب وزير الموصل فيها[7]، وقد سار ابن الأثير إلى الموصل مع والده وأخويه، وسكن الموصل وسمع بها من علمائها، وأيضًا قدم بغداد مرارًا وسمع بها من الشيوخ، ثم رحل إلى الشام والقدس وسمع هناك من جماعة، ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعًا للنظر في العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها، وكان إمامًا في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به، وحافظًا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبيرًا بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم[8].

ابن الأثير وإخوته
كان لابن الأثير أخوان أحدهما أكبر منه وهو (مجد الدين أبو السعادات) المبارك، ولد سنة 544هـ وتوفى سنة 606هـ، وهو أحد العلماء الأفذاذ له كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، وكتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر)، والآخر أصغر منه، وهو (ضياء الدين أبو الفتح) نصر الله، ولد سنة 558هـ، وتوفى سنة 637م، وكان من ذوي النبوغ في العلوم الأدبية، وله كتب قيمة منها (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) و(الوشي المرقوم في حلى المنظوم)[9].

تراث ابن الأثير ووفاته
كان لابن الأثير باع في التاريخ، حيث ألف في التاريخ العام كتاب (الكامل) وهو مرجع مهم في تاريخ الحملات الصليبية التي شاهد بعضًا منها إلى وفاته، وفيه تحدث أيضًا عن هجوم التتار، وألف في التاريخ الخاص كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة)، وكتابه هذا يعلن عن سعة اطلاعه، ومعرفته بالأخبار، وغرامة بالبحث ودقته في النقد، وأصالته في التأليف،[10]، ومن تراثه أيضًا كتاب كتاب "اللباب في تهذيب الأنساب " وكتاب "تاريخ الدولة الأتابكية" وكتاب" الجامع الكبير" في البلاغة، وكتاب "تاريخ الموصل" الذي لم يتمه[11]، وكانت وفاته في سنة 630هـ= 1233م[12].


[1] الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ= 1985م، 22/ 353، 354.
[2] ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1900، 3/ 348.
[3] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 22/ 354.
[4] ابن الأثير: أسد الغابة، دار الفكر، بيروت، 1409هـ= 1989م، 1/ 7.
[5] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 22/ 354، والزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، 2002م، 4/ 331.
[6] ابن الأثير: أسد الغابة، 1/ 7.
[7] ابن الأثير: أسد الغابة، 1/ 7.
[8] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3/ 348.
[9] ابن الأثير: أسد الغابة، 1/ 7، 8.
[10] ابن الأثير: أسد الغابة، 1/ 8.
[11] والزركلي: الأعلام، 4/ 332.
[12] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 22/ 356، والزركلي: الأعلام، 4/ 331.

قصة الإسلام
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-17, 03:09 PM   #210 ()
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 783
: 0
افتراضي القاهرة…النشأة والتطور (358هـ/ 969م– 923هـ/ 1517م)



عندما وضع جوهر الصقلي (ت: 367هـ) أساس بناء مدينة القاهرة في منتصف شعبان سنة 358هـ= 969م لم يكن في حسبانه أن تصبح يومًا مدينة لعامة مصر، بل على العكس فقد بناها لتكون سكنًا خاصًا للفاطميين تحجب بأسوارها العالية الخليفة وحاشيته عن أنظار عامة المصريين الذين لم يسمح لهم بدخول القاهرة إلا بإذن، وهو ما يؤكده ابن دقماق، والمقريزي، وابن سعيد وغيرهم في كتاباتهم فيذكر ابن دقماق أن الهدف من بناء العاصمة الجديدة هو تأسيس قلعة سكنية منعزلة عن عامة المصريين علي عادة خلفاء الفاطميين في تأسيس مدنهم لكي تضم حريم السلطان وعبيده ورجال حاشيته وحرسه الخاص.

أما المقريزي فيشير إلى أنه بجانب هذا الهدف الطبقي فإن القائد الفاطمي جوهر الصقلي كان يريد أن تكون العاصمة الجديدة القاهرة حصنًا منيعًا يحول دون دخول القرامطة أرض مصر. بينما يؤكد ابن سعيد علي خصوصية القاهرة بالنسبة للفاطميين بأسلوب الرحالة فيقول: "مدينة رائعة تفنن الفاطميون في بنائها وكانت مقراً لخلافتهم ومركزاً للإشعاع العلمي والثقافي"[1].

وما برحت القاهرة كذلك حتى الشدة العظمى في خلافة المستنصر بالله الفاطمي (427-487هـ= 1036-1094م) إذ قدم إلى مصر أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة 465هـ=1073م فوجد القاهرة (خاوية على عروشها فأذن للناس من غير الفاطميين في البناء وسكنى المدينة فاتسعت مساحتها وازدهرت مبانيها وظلت القاهرة على هذه الحالة حتى نهاية الدولة الفاطمية.

ولما دخل الناصر صلاح الدين الأيوبي (567 – 589هـ= 1171-1193م) القاهرة أباح سكنى المدينة لعامة المصريين، وكان واضحًا أن جهاده ضد الصليبين قد استولى على عقله وقلبه وسائر جوانحه مما جعله يهتم بالعمائر والتحصينات الحربية في القاهرة وغيرها من المدن الكبرى فضلًا عن رؤية صلاح الدين للعمائر التي بناها الفاطميون الشيعية التي دفعته إلى (الحط) من قصور الدولة الفاطمية وإزالة بعضها وفى هذا يقول المقريزي:" وحط من مقدار قصور الخلافة، وأسكن في بعضها، وتهدّم البعض، وأزيلت معالمه، وتغيرت معاهده"[2]. ويذكر لنا صاحب الخطط التوفيقية أن القاهرة الفاطمية كانت تشغل عند نشأتها الأولى في سنة 358هـ= 969م مساحة ثلاثمائة وأربعين فدانًا، بلغت في نهاية عصر سلاطين المماليك ما يزيد عن ألف وسبعمائة فدان[3].

ويتفق الباحثون على أن الخطط التي ذكرها المقريزي عن القاهرة لم يطرأ عليها تغييرات مساحية حتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي إذ تعرضت القاهرة بعد خراب الفسطاط وانتقال العامة للسكنى بها وحولها إلى تغييرات معمارية عميقة بلغت أقصاها في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي بسبب تنافس السلاطين والأمراء المماليك في التفاخر والمباهاة بالثراء والعطاء، ورغبتهم في تخليد ذكراهم بين الناس أو التكفير عن ذنوبهم في الدنيا حتى صارت القاهرة تزدان بالقصور والمساجد، والمدارس، والأسبلة، والخوانق وغيرها من المنشآت التي كانت تبنى بالطوب (الآجر) في غالب الأحيان بينما كانت الجوامع والمدارس والمباني تبنى بالحجر المنحوت وتفرش أرضها بالرخام وكذلك الجدران.

ويصف أحد المؤرخين المعاصرين النشاط العمراني في القاهرة عصر سلاطين المماليك منوها بدور عامة المصريين في أعمال البناء والتشييد بقوله: " ولأهلها القوّة العظيمة في تعلية بعض المساكن على بعض حتّى إن الدار تكون من طبقتين إلى أربع طبقات بعضها على بعض"[4].

ومن المعروف لدى جمهور الباحثين أن العسكر المماليك قد انتقلوا إلى قلعة الجبل بعد أن أصدر السلطان عز الدين أيبك في سنة 654هـ= 1256م، مرسومًا يقضى بإخلاء قلعة جزيرة الروضة التي أنشأها الصالح أيوب لمماليكه وانتقالهم إلى مقر الحكم، ولم يترك أحدًا بها حيث تحولت إلى قصور وبساتين ومنتزهات، ودور، وجوامع، وحمامات، ودار المقياس.

ونتيجة للاتصال العمراني بين القلعة – مدينة العسكر – والقاهرة – مدينة العامة – صارت عمائر مصر بلدًا واحدًا وتحولت العاصمة من الطابع العسكري الجاف إلى النشاط الاقتصادي والاجتماعي المزدهر إذ قامت الأسواق الكبرى على طول شارع (بين القصرين) وامتدت إلى شوارع القاهرة المجاورة وتسابق العامة في أعمال العمارة السكنية والتجارية في تلك المناطق (حتى عزت أرض البناء).

ومن الطبيعي أن تتواكب الزيادة السكانية مع هذه الزيادة المطردة في الأبنية والمنشآت السكنية والتجارية والاجتماعية حتى بلغ عدد سكان القاهرة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري حوالي ستمائة ألف نسمة، مما جعلها تتفوق في مساحتها وكثرة سكانها على كثير من مدن أوربا والعالم الإسلامي إلى أن بلغت في نهاية النصف الأول من هذا القرن حوالي ثلاثة ملايين نسمة على قول أحد الباحثين الأجانب.

ويشير أحد المعاصرين إلى شدة الكثافة السكانية في القاهرة في عصر المماليك البحرية بقوله: ليس في الدنيا من شرقها إلى غربها مدينة أعمر بكثرة الخلق منها، ولا يكاد ينقطع الزحام بشوارعها العظيمة، في كل شارع وخط ومحله منها بيوت ودروب وأسواق وجوامع ومدارس تصلح أن تفرد بمدينة واحدة بل في كل ربع من ربوعها ما يعمر بهم قرية.

ويفسر أحد الباحثين ظاهرة النمو السكاني في العصر المملوكي الأول في ضوء فترة السلام التي عاشتها العاصمة لأكثر من مائة عام بمنعزل عن المذابح الجماعية التي أفرزتها الهجرات التتارية الشرسة على الأراضي العربية وكذلك الهجرات السكانية العديدة إلى مصر من العراق والشام والتي شملت مختلف الجنسيات من المغول والأكراد والتركمان مما كان يمثل زيادة طارئة في أعداد السكان أضف إلى هذا بقايا جيش الخلافة العباسية وبعض المحاربين الأكراد الذين تجاوز عددهم بضعة آلاف نسمة.

ويمكن التعرف على حجم الزيادة السكانية وكثرة العمارة من خلال مشاهدات بعض الرحالة الذين زاروا القاهرة في القرن الثامن ومطلع القرن التاسع الهجري/ القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر ميلاديًا، فيصفها ابن بطوطة (ت: 779ه) بقوله: هي أم البلاد المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم، على سعة مكانها وإمكانها[5].

ويرى الرحالة الأوربيون الذين زاروا مصر في القرن الخامس عشر الميلادي الكثافة السكنية في القاهرة في ضوء حركة التجارة وازدحام الأسواق، وكميات البضائع والسلع التي تكتظ بها المراكب والسفن والمتاجر والحوانيت وفى هذا يقول أحدهم: "وليس في القدرة تعداد جميع السلع التي تؤتى بها إلى هنا من الهند ثم توزع في مختلف أنحاء العالم".

هذا فضلًا عن رؤيتهم للمباني والمنشآت السكنية والتجارية والشوارع والدروب والطرقات المزدحمة لكثرتها بالسكان، وشتى أنماط السلع والمنتجات، بالإضافة إلى ظاهرة انتشار الباعة الجائلين في كل مكان وأصحاب الطبليات والدكك المستديمة وجلوس بعضهم بها على أبواب الجوامع مما يضيق الطريق على الناس، ناهيك عن تلك الأعداد الغفيرة من المتسولين وأهل الحاجة والمسكنة الذين امتلأت بهم شوارع القاهرة آناء الليل وأطراف النهار معبرين عن حجم التمايز الطبقي والظلم الاجتماعي الذى عانى منه المصريون خلال العصر، وأن الرخاء الاقتصادي ووفرة العوائد المالية كانت تتحرك في معظمها إلى أعلى حيث يوجد السلطان والأمراء والعسكر وأتباعهم من العلماء والأعيان.

وثمة ظاهرة جيولوجية أشار إليها المقريزي أدت إلى تحول مساحات جديدة من الأراضي– شرق النيل إلى عمائر سكنية لمختلف شرائح العامة من التجار والحرفيين والصناع والباعة والسوقة وغيره من عامة القاهرة الذين استقروا في تلك الأراضي لم تكن تتحمل سوى المباني الخفيفة التي تتميز بقلة ارتفاع طوابقها ورخص تكاليف مواد البناء، وإيجارها الزهيد كي تتناسب مع ذوي الدخل المحدود من العامة الذين يرغبون في السكنى على أطراف مدينة القاهرة.

ويرى الباحثون أن الامتداد السكاني في القاهرة كان يمتد بصفة رئيسة نحو الشمال بسبب انبساط الأراضي واتساعها في آن واحد إذ أن المدينة كانت محدودة من جهة الشرق بتلال المقطم، ومن جهة الغرب بنهر النيل، أما الجنوب فلم يزد عن شريط ضيق ينحسر بين التلال ومجرى النهر مما يجعل التوسع العمراني ناحية الشمال أمر طبيعياً ومرغوبًا.

كذلك فإن عددًا من عامة القاهرة سكنوا في رحاب قصور السلاطين والأمراء ومنازل الأثرياء من خلال الأعمال التي يقومون بها وبحكم تواجدهم بجوار مخدوميهم من ذوي الجاه والسلطان بالإضافة إلى سكان الخوانق والجوامع الذين اكتظت بهم هذه الأماكن الخاصة بالعبادة والاعتكاف حتى أن إحدى الخوانق بلغ عدد سكانها سبعمائة نسمة وهي خانقاه سعيد السعداء والتي كانت من البيوت الفاطمية التي أمر صلاح الدين الأيوبي عند دخوله القاهرة بتحويلها إلى بيت للصوفية وعرفت لذلك باسم (الصلاحية) نسبة إليه.

وتشير المصادر إلى أن الدولة المملوكية كانت من حين إلى آخر تعيد النظر في إقامة بعض سكاني الخوانق الذين تظهر عليهم علامات الثراء المفاجئ لكي يحل محلهم عدد آخر من شيوخ الصوفية مما يكشف عن حجم الكثافة السكانية بمدينة القاهرة بالنسبة لعدد المساكن المتوفرة آنذاك.

ولقد توسع عامة القاهرة في السكنى والعمارة في المساحة الواقعة بين الفسطاط- والقاهرة – العاصمة الجديدة – حتى اتصلت العمائر وامتدت إلى باب الفتوح وباب النصر حتى الريدانية – كما بنى العامة العمائر خارج باب القنطرة إلى منشأة المهراني وخارج باب البرقية والباب (المحروق) إلى سفح الجبل بطول السور الحجري المحيط بالمدينة (حتى صار العامر بالسكنى على قسمين: أحدهما يقال له القاهرة والآخر يقال له مصر).

وجدير بالذكر أن أبواب القاهرة التي أوردناها هنا لم تكن في مواضعها التي هي عليه في مصر سلاطين المماليك عندما وضعها القائد جوهر الصقلي في بداية العصر الفاطمي وهو ما أشار إليه أحد الباحثين الأثريين تفصيلاً في معرض ذكره لحضارة مصر الإسلامية، مما يبين لنا مدى التطور الحادث في عمارة القاهرة سواء من حيث التجديد أو من حيث التعديل والإضافة والذي ظل مستمرًا حتى نهاية العصر المملوكي.

والواقع أن أحوال عامة القاهرة تميزت بنوع من الاستقرار النسبي في ظل السياسة الداخلية لسلاطين المماليك البحرية في الفترة الواقعة بين منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي ومنتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي إذ أن السلاطين والأمراء اهتموا – إلى حد ما – بحل بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لأهل القاهرة خاصة التجار الذين امتازوا بقدر من الثراء الملحوظ بينته حركة الحياة اليومية في الأسواق والوكالات، والفنادق والخانات.

بيد أن هذا الاستقرار ما لبث أن تلاشى تدريجيًا مع بداية عصر المماليك الجراكسة بسبب ( سوء إيالة الحكام وعبث الولاة) حتى أن السلاطين فقدوا مزية السيطرة على الجند الذين وهنت فيها روح الفروسية وقويت فيهم شهوة النهب والسلب والاعتداء على العامة من الباعة والسوقة في وضح النهار نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية وقلة (التجاريد) بل إن مظاهر الهوج والفوضى بين الجند التي بلغت حد الثورة ضد السلطان لعدم قدرته على دفع رواتبهم – قد دفعت أهل الدولة إلى الترخيص لهم بالنزول من الطباق في القلعة ، والسكنى مع العامة والتزوج من نسائهم، والتنازل لهم عن إقطاعياتهم مقابل مبالغ مالية يدفعها العامة للجند ( ……. وخربت منهم أراضي إقطاعياتهم).

كما أن التوجيه الخاطئ من جانب الدولة لأنماط الإنتاج وخاصة النشاط الصناعي والتجاري في مدينة القاهرة بحثًا عن مصادر الكسب السريع لتلبية حوائج النظام الحاكم من الأموال قد أضر أبلغ الضرر بأرباب الأعمال والتجارة الذين تحولوا إلى عملاء لدى السلطان الذي احتكر كافة مصادر الثروة لنفسه مما ترتب عليه تدهور مستوى الإنتاج وانخفاض عوائد التجارة فاستغل الأوربيون هذه الفرصة للقضاء على البقية الباقية من التجارة المصرية فأغرقوا الأسواق المحلية بالبضائع والسلع الأجنبية بأسعار منافسة للإنتاج المصري مما أضر باقتصاديات البلاد أيما ضرر.

وكان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي إيذانا بثورة كبرى في التجارة العالمية، وإعلانًا صريحًا بضياع دور مصر في ريادة طرق التجارة الدولية بين الشرق والغرب في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ العالم أواخر العصور الوسطى.

وعند قدوم العثمانيين إلى مصر كان الوضع الاقتصادي متدهورًا، وكان بيت المال المصري خاويًا (لم يبق فيه درهم ولا دينار) مما دفع العسكر إلى الانصراف عن آخر سلاطين المماليك – طومان باي – وقعودهم عن القتال مما اضطر معه السلطان إلى الاستعانة ببعض فئات العامة من الزعر والصبيان والشطار وأرباب الجرائم ليقاوم بهم الغزاة الجدد من الأتراك.

وعندما دخل السلطان العثماني سليم الأول القاهرة من باب النصر في يوم الخميس 20 ذي الحجة سنة 923هـ (ضج له الناس بالدعاء) لتصبح مصر المملوكية ولاية عثمانية على مدى أربعة قرون تالية من عمر الزمان، لتظل القاهرة محتفظة بسمات النشأة الأولى في زمن الفاطميين وتطورها العمراني في زمن الأيوبيين والمماليك.

دكتور: علاء طه .. دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.

[1] ابن سعيد: النجوم الزاهرة في حلى القاهرة، تحقيق حسين نصار، القاهرة 1970م، ص21- 22.
[2] المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ، 2/ 210.
[3] على مبارك: الخطط التوفيقية، طبعة بولاق، القاهرة، 1306هـ، 1/ 81- 82.
[4] القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، دار الكتب العلمية، بيروت، 3/ 419.
[5] ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، أكاديمية المملكة المغربية، 1/ 201.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 08:46 AM