عرض مشاركة واحدة
قديم 2017-08-10, 05:22 AM   #15
Farid_1
نائب المشرف العام
 
الصورة الرمزية Farid_1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 5,396
: 15,523
افتراضي أوراق 12 - مع العجوز ماجدة في لندن

مجموعة من الخواطر من الحياة أرجو أن تنال إعجابكم
نحن أوراق على شجرة الحياة تتساقط بعد أداء دورها فهي تصفرّ وتسقط بعد خُضرة في ريعان الشباب لتنمو مكانها أوراقاً وفروعاً أخرى تحمل الثمار والأشواك


أوراق 12
مع العجوز ماجدة في لندن

في أثناء دراستنا في لندن مع أخي في الستينات كان لزاما علينا أن نتعلم اللغة الإنجليزية قبل أن نلتحق بالكليات هناك.
حيث أن كل ما تعلمناه في المرحلة المتوسطة والثانوية في مدارسنا الحكومية لم يكن كافيا لطلب وجبة في مطعم انجليزي. على عكس ما نحن عليه الآن.
حيث صاروا أولادنا طليقي اللسان باللغة بالإنجليزية ولكنهم يتكلمون اللغة العربية المكسرة وبمشقة ناهيك عن قراءتها!

كنا نسكن عند عجوز انجليزية "عجيبة" في السبعينات من عمرها.
فقد كانت العجوز ابنة ضابط بريطاني تزوج من هندية عند وجود القوات البريطانية في الهند.
ثم انتقلت الكتيبة الى العراق. فكانت العجوز تتقن اللغة الهندية والعربية بلهجة عراقية بالإضافة للإنجليزية!
وكنا ضمن خليط عجيب من الطلبة بين أوروبيين وعرب وايرانيين.
وكانت العجوز تعاملنا، على الرغم من صرامتها، كأحفادها حيث أنها كانت تكيل لنا النصائح بين الحين والآخر.

وكانت نصيحتها الأولى هي أن تذكروا يا أولاد أنكم مهما فعلتم فإنكم أجانب وسفراء لبلادكم في هذا البلد.
فإننا نغفر للإنجليزي إذا أخطأ ولا نغفر للأجنبي خطأه!
فلا تعطونا انطباعا خاطئ عن بلادكم.

أما نصيحتها الثانية فكانت احرصوا على أن تكون أحذيتكم لامعة - حتى في الأيام الممطرة وياقة قمصانكم نظيفة، ولا يهم ما عدى ذلك!
(لم تكن أيامها الأحذية الرياضية من الشركات المعروفة موضة مثل أيامنا هذه).

أما النصيحة الأهم فكانت:
يجب أن تنتهي كل جملة فيها طلب لشيء بكلمة "أرجوك" بالإنجليزية Please، ولا تنس قول Thank you أي شكرا بالإنجليزية
مع كل من تتعامل معهم صغيرا كان أو كبيرا، غنيا كان أو فقيرا. وإلا ستعتبر غير مؤدبا!
حيث أننا تعودنا في اللغة العربية على أن تكون كلمة "أرجوك" ضمن اسلوب الطلب يعني نقول ناولني ذاك الكتاب بأسلوب الرجاء وليس بأسلوب الأمر ولا نكرر جملة "من فضلك"

وكان نظام السكن عبارة عما يسمى Breakfast &Bed يعني تدفع مقابل النوم والإفطار.
وهو أرخص بكثير من الفنادق. حيث كان مصروفنا الأسبوعي عبارة عن 12 جنيه استرليني يذهب 5 منها لصاحبة السكن وتبقى 7 جنيهات للمواصلات والغذاء والعشاء.
أما إذا أردنا الذهاب للسينما، فلا بد من التوفير ... ... كيف؟ لا أدري ولكنا كنا نوفر.

وكانت العجوز لا تسمح لنا بالاستحمام إلا مرة في الأسبوع (حيث أنها كانت تتحكم في حرارة خزان الماء الحار)!
فاتفقت مع أخي على أن نعرض عليها قص حشائش حديقتها مقابل السماح لنا بحمام إضافي خلال الأسبوع!
فوافقت على ذلك وأعطتنا وجبة إضافية كلما قطعنا الحشائش لشكرنا على الاعتناء بحديقة منزلها.

وكان الانطباع العام عن الإنجليز:

أنهم يحبون الأمانة لدرجة التقديس.
فكان أحدهم لو تخطى المحطة التي دفع اجرة الوصول اليها سواء كانت محطة القطار أو الأوتوبيس يقوم تلقائيا بإخبار بائع التذاكر أو موظف المحطة ليدفع له فارق السعر.

كما أنهم كانوا صادقين مع من يتعاملون معهم ويتوقعون منهم الصدق ويحتقرون من يكذب عليهم.

أما احترام المواعيد والوقت، فذلك ما يجب أن نتعلمه منهم ونعلمه لأبنائنا.

أما الصفة التي استرعت انتباهنا كقادمين من الشرق فهي وقوفهم في طوابير منظمة بشكل تلقائي في أي مكان فيه شيء من الزحام او انتظار لأي خدمة، فلا يتعدى المرء على غيره وينتظر دوره.
والعجيب أننا نقوم بنفس الشيء عندما نزور بلادهم، وإن عدنا الى بلادنا نسينا كل ما كنا نفعله هناك.

كانت لديهم الكثير من صفات المسلمين بدون الإسلام، على العكس منا المسلمين ولكن بدون هذه الصفات الإسلامية.
تعلمنا منهم الكثير في زمن كان عدد العرب هناك قليل.

أما أيامنا هذه فنرى من العرب هناك، أكثر مما نراهم في بلاد العرب.
فلا همّ للكثير من شبابنا وشاباتنا إلا الجلوس في المقاهي بالقرب من هارودز أو في مقاهي الستاربكس
والتفاخر بالماركات وتصوير ما يأكلونه لوضعه على الإنستغرام أو لاستعراض سياراتهم الفارهة في شوارع العاصمة البريطانية.

رحم الله أيام زمان وجيل أيام زمان!
--------------------
فريد عبد الله

Farid_1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس