11. عظيم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يعدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح لذلك ، فمر بسواد بن غَزِيَّة وهو مستنصل من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح وقال :«استو يا سواد» . فقال : يا رسول الله أوجعتني ، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني . فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال :«استقد» . فاعتنقه فقبل بطنه ، فقال صلى الله عليه وسلم:«ما حملك على هذا يا سواد» ؟ قال يا رسول الله حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخرَ العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير .
عجيب أن يتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقصاص في هذه الأزمة التي تمر بها أمته ! ومالي أعجب وهو الذي قال : «لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» [ابن ماجة] . وفي القصة كريم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أنّ السلطان فمن دونه لا يعلو منهم أحد على الحق، فإذا ظلم الحاكم أحداً من رعيته وجب عليه أن يمكن المظلوم من القصاص ، وهي فائدة جرى القلم بها ولا أطمع أن يُشاهد ذلك في أرض الواقع !!
12. الحنكة العسكرية في قيادة النبي صلى الله عليه وسلم لجيشه ، فلقد أمر أصحابه برمي الأعداء بالنبل ثم قال : «واستبقوا نبلكم» [البخاري] . وبهذا تقل منصرفات الحرب، ويثخن في العدو، ويدخر الجهد، وتعلو الروح المعنوية بالرؤية العاجلة لأثر النصر .
13. الجنة تحت ظلال السيوف .
فلقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه :«قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات وَالْأَرْضُ» . فقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السماوات وَالْأَرْضُ ؟ قَالَ :«نَعَمْ» . قَالَ : بَخٍ بَخٍ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ» ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا . قَالَ :«فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» . فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ [مسلم] .
14. أنّ المسلم لا يرضى أن يساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه حقيقة المحبة، ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا ، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ : يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي ؟ قَالَ : أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا . قَالَ : فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا ، قَالَ : فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ ، فَقُلْتُ : أَلَا تَرَيَانِ ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ ، فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَاهُ . فَقَالَ :«أَيُّكُمَا قَتَلَهُ» ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا قَتَلْتُ . فَقَالَ : «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا» ؟ قَالَا : لَا . فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ :«كِلَاكُمَا قَتَلَهُ» ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ . قال النووي رحمه الله :" قال أصحابنا : اشترك هذان الرجلان في جراحته ، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولاً فاستحق السلب ، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كلاكما قتله» تطييباً لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في قتله ، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه متمنعاً إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح ، فلهذا قضى له بالسلب . قالوا : وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما ، فعلم أن ابن الجموح أثخنه ، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب ، فلم يكن له حق في السلب . هذا مذهب أصحابنا في معنى هذا الحديث" [شرح مسلم (12/63)] . ثم احتز ابن مسعود رضي الله عنه رأسه بعدُ وذهب به إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم.
15. وفاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى مع الكافرين ، فقد ورد في دلائل النبوة للبيهقي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله» ، ثم أورد البيهقي قول ابن إسحاق :" وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، وكان لا يؤذيه ، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه. وكان ممن قام في نقض صحيفة المقاطعة .
وتشرق شمس الوفاء في موطن آخر ، لما قال النبي صلى الله عليه في أُسَارَى بَدْرٍ :«لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» [البخاري]، قالها وفاءً له ؛ فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال : إن بني عامر لا تجير على بني كعب . فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت ، وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منزله . فما أحوجنا إلى وفاء النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه بين إخواننا !!
16. { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة : 22] . في بدر : دعا أبو بكر ابنه إلى المبارزة، وقتل عمر خاله ، وعلي وحمزة قتلا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ، وأسر أبو اليسر أبا عزيز بن عمير ، فمر به أخوه مصعب بن عمير فقال : اشدد يديك به؛ فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، قال له أبو عزيز : يا أخي هذه وصاتك بي ؟ فقال له مصعب : إنه أخي دونك . فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم، ففدته بها . ولما استشار النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه في الأسرى قال : أرى أن تمكِّنَّا فنضربَ أعناقهم ، فتمكنَ علياً من عَقِيل فيضرب عنقه ، وتمكِّنِّي من فلان -نسيباً لعمر - فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين [مسلم وأحمد] .
فرضي الله عن أصحاب نبينا ما أصدق إيمانهم! ولن يذوق أحد طعم الإيمان بالله حتى يقيم هذه العقيدة في قلبه، عقيدةَ الولاء والبراء .
17. الحق منصور ولكنه مبتلى ، ولابد من سنة التدافع بين أهل الحق والباطل ، فالفائز من استعمله الله ليعلي به دينه ، وإن ربك غني عن العالمين .
18. الحرص على عدم مخالفة أمر الله ، فليس بين الله وبين عباده من نسب ، قال تعالى :{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرً} [النساء : 123] , ففي صحيح مسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ :«مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى» ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ؛ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» ...- فقال ما تقدم ذكره في الفائدة السابقة ثم قال عمر - : فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طيب} [الأنفال: 67] ، فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ . والكتاب الذي سبق :{ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} [محمد:4] .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .