إفتتاح قسم التبادل بنظام IPTV لأصحاب السيرفرات

سيرفر شيرينج IPTV عربي لمشاهدة جميع قنوات العالم المشفرة


العودة   نقاش الحب > القســـم الاسلامى > المنتدى الاسلامى العام

المنتدى الاسلامى العام لنشر الوعي الإسلامي ومناقشة قضايا المسلمين وهمومهم.


السلام في الإسلام

لنشر الوعي الإسلامي ومناقشة قضايا المسلمين وهمومهم.


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2018-05-24, 02:34 AM   #1 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي والله يريد أن يتوب عليكم



والله يريد أن يتوب عليكم
هذا هو الهدف الأول: أن نكون أهلاً لمغفرة الله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى برحمته ولطفه يُريد أن يتوب علينا؛ فالأمر إذن إرادة ربانية علينا أن نغتنمها، ولا نتركها تتجاوزنا إلى غيرنا فنكون من الخاسرين؛ فالمفلح من المسلمين هو من اغتنم نفحات الله سبحانه وتعالى، وقد فتح الله سبحانه وتعالى المجال واسعًا لعباده بتنويع النفحات والعطايا، إلا أن أول ما نريد من النفحات في رمضان: التوبة.

ولكن لماذا اخترتُ التوبة كأول الأهداف في رمضان؟
والإجابة هي: أن هناك أحاديث كثيرة لفتت أنظارنا إلى موضوع المغفرة في رمضان؛ منها -مثلاً- ثلاثة أحاديث نبوية متشابهة المتن تقريبًا مع اختلافها في الأعمال الصالحة التي تدعو إليها؛ فهي تجعل المغفرة من الله تعالى هي الجزاء على تلك الأعمال المختلفة؛ فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"[1].

ويقول كذلك صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"[2].

كما يقول: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"[3].

فهذه الأعمال الصالحات كلها جزاؤها المغفرة من الله سبحانه وتعالى، ولكن يتوقَّف ذلك الجزاء على أن يكون العبد قد أدَّى العبادة إيمانًا واحتسابًا؛ فما المقصود إذن بـ"إيمانًا واحتسابًا"؟
لا يمكن أن يكون اللفظان مترادفين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُوتي جوامع الكلم[4]؛ لذا فهو لا يحتاج إلى التكرار بألفاظ مختلفة، ويكفيه أن يختصر؛ فالإيجاز من فنون البلاغة؛ لذا وجدنا الأئمة يُفَسِّرون الكلمتين على النحو التالي، يقول الإمام ابن حجر العسقلاني: والمراد بالإيمان الاعتقاد بِحَقِّ فَرْضِيَّةِ صومه، وبالاحتساب طلب الثَّواب من الله تعالى[5].

ويفسرها المناوي قائلاً: "إيمانًا" تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، "واحتسابًا" إخلاصًا... وجمع بينهما لأن المصدِّق للشيء قد لا يفعله مخلصًا؛ بل لنحو رياء، والمخلص في الفعل قد لا يكون مصدِّقًا بثوابه فلا مُلجِئ لجعل الثاني تأكيدًا للأول[6].

وهكذا نجد أن العلماء قد فرقوا بين الكلمتين فـ"إيمانًا" تعني التصديق بفرضية أو ندب هذا الصيام، أو قيام رمضان عمومًا، أو ليلة القدر خاصة، و"احتسابًا" تعني الإخلاص وطلب الأجر من الله تعالى وحده؛ وها نحن إذن نعود من جديد لقضية الإخلاص؛ الذي من دونه تحبط الأعمال.

ونجد أنفسنا أمام قضية مهمة، وهي:

كيف يكون صيامنا وقيامنا إيمانًا واحتسابًا؟
ونجد الإجابة في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوجهنا فيه إلى كيفية الالتزام بالصيام وأدائه على خير وجه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. مَرَّتَيْنِ؛ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"[7].

فقبول الله تعالى للصيام كما هو مرتبط بالإخلاص فإنه يرتبط من ناحية أخرى بمحافظة الصائم على سلوكياته أثناء صيامه، وبأن تكون نية الصائم أنه يصوم إرضاء لله تعالى، وابتغاء لمثوبته وحده لا أحد معه تعالى.

وكذلك يترتب القبول على هجران المعاصي والذنوب؛ فقد حذَّرنا صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير من الاقتراب من المعاصي في هذا الشهر، وأنها تحبط العمل؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"[8].

ولهذا نجد أن الصالحين دائمًا يحاولون أداء فريضة الصيام على أتم وجه من أجل رضوان الله تعالى؛ فها هو الأحنف بن قيس يقال له: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك. فقال: إني أعدُّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه[9].

وحرصًا من الحسن البصري على إخوانه فقد أخذ يُنَبِّهَهُم حتى لا يفرطوا في رمضان فينفلت من بين أيديهم؛ فقد مرَّ بقوم وهم يضحكون فقال: إن الله سبحانه وتعالى جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلَّف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون. أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب، وحسرة المردود تسدُّ عليه باب الضحك[10].


أمَّا القيام فلكي يكون إيمانًا واحتسابًا فإن له آدابًا ومظاهر تظهر في سلوك المسلم؛ وله كذلك أنوار تتجلَّى على العبد؛ فالمسلم لا بُدَّ أن يُوقن أن قيام الليل هو العون الإلهي والمدد الرباني؛ الذي يُعينه الله به على الثبات على الإسلام، وعلى القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى، يقول تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 2 - 6].

وكذلك فإن المسلم يوقن بأن الله سبحانه وتعالى يصطفي من يقف بين يديه في تلك السويعات القلائل في جوف الليل؛ ومن ثَمَّ يُكافئهم بفيوضات العطاء؛ فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" [11].

وأول أمر يجعل القيام إيمانًا واحتسابًا أن يكون طويلاً لا تشبع فيه من لذَّة القرآن والوقوف بين يدي الله تعالى؛ فعن الفضيل قال: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله، فأفتتح القرآن فأُصْبِحُ وما قضيتُ نهمتي[12].

وتظل تُكابد نفسك في قيام الليل حتى يرضى الله عنك؛ فقد قال الحسن البصري: ما نعلم عملًا أشدَّ من مكابدة الليل ونفقة هذا المال[13].

أما ثاني أمر فأن تتدبَّر ما تقرأ من الآيات، سواء كانت كثيرة أم قليلة، وهذا لا يتعارض مع ما قلناه من طول قيام الليل؛ فيمكن للمسلم أن يقوم الليل كله بآية واحدة؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: "قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يُرَدِّدها. والآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 118]" [14].

ويُقال: إن مالك بن دينار رضي الله عنه بات يُرَدِّد هذه الآية ليلة حتى أصبح: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...} الآية [الجاثية: 21][15].

أما بالنسبة إلى ليلة القدر فلكي تكون إيمانًا واحتسابًا فينبغي ألا يكون العبد معها مقامرًا يراهن على كون الليلة هي ليلة السابع والعشرين، ويأتي بالأحاديث التي تُؤَيِّد رأيه؛ فيُكثر في تلك الليلة من العبادات ويترك الليالي الأخر؛ معتمدًا على ما رواه أُبَيُّ بن كعبٍ -وقيل له: إنَّ عبد الله بن مسعودٍ يقول: من قام السَّنَةَ أصاب ليلة القدر- فقال أُبَيٌّ: والله الَّذي لا إله إلاَّ هو إنَّها لفي رمضان -يحلف ما يستثني- ووالله إنِّي لأعلم أيُّ ليلةٍ هي. هي اللَّيلة الَّتي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها؛ هي لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها[16].

ولكنه يغفل أن هناك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر مواعيد مختلفة لليلة القدر؛ منها أنها في الوتر من العشر الأواخر، وأخرى أنها في العشر الأواخر عمومًا؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجَاوِرُ في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"[17].

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"[18].

وعن عبادة بن الصَّامت قال: خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليُخبرنا بليلة القدر فَتَلَاحَى رَجُلَانِ من المسلمين فقال: "خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ"[19].

وعن سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنه أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وأنَّ أُنَاسًا أُرُوا أنَّها في العشر الأواخر فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ"[20].

كل هذه الأحاديث وغيرها يدفعنا إلى القول بالاحتراز والتركيز على الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر كلها؛ فإن من يفعل ذلك خير ممن ركز على ليلة واحدة وأهمل غيرها؛ فقد يكون هناك خطأ في رؤية هلال الشهر من أوله؛ فيختلط الزوجي بالفردي من الأيام، ويصبح ما ظنه ليلة 27 هي ليلة 28 أو 26، أمَّا من اجتهد في العشر كلها فقد ضمن أنه دخل في ليلة القدر، وليجتهد في الدعاء بأن يتقبَّل الله منه.

كما أن من معاني "إيمانًا واحتسابًا" أن ينشغل العبد بالعبادة والاجتهاد فيها في تلك الليلة دون الاهتمام بالمظاهر؛ فالوقت ثمين للغاية في تلك الليلة، وعلى الرغم مما قد يجده البعض من خشوع إذا صلوا وراء إمام معين؛ فإن من اهتم بالخشوع في قيام تلك الليلة، وتدبَّر في قراءته للقرآن فيها، أو فيما يتلوه إمام المسجد الذي يُصَلِّي فيه، ولولم يكن قارئًا شهيرًا أو صاحب أعذب صوت، وشعر بالآيات تنزل على قلبه وكأنها تتنزل لأول مرة عليه خاصة، هذا بالتأكيد أفضل ممن أضاع وقته في الذهاب ليصلي وراء قارئ معين؛ فأضاع ساعة في الذهاب إلى المسجد، وأخرى في العودة منه، كل ذلك ليستمتع بالصوت الجميل، دون أن يحدث تغير في سلوكه وتفكيره، والله أعلم.

إنها قضية قلبية؛ فكلا الأمرين "إيمانًا واحتسابًا" محلهما القلب ولا يطلع عليهما إلا الله تعالى، وبالتالي لا يستطيع أحد الحكم عليهما، فليس الأمر بالظاهر والشكل الخارجي؛ فقد يتجاور رجلان في الاصطفاف للقيام، ولكن شتان ما بين قلبيهما! فيُغفر لأحدهما، بينما تُلقَى صلاة الآخر في وجهه.

ومن أجل أن نحصل على مغفرة الله تعالى لذنوبنا؛ فهناك نقطة مهمة ينبغي طرقها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمْعَةُ إِلَى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ"[21].

فهذا الحديث يفتح باب المغفرة من الصغائر من نظرة حرام، أو كلمة خارجة، أو سلوك مخالف للأخلاق الحميدة.

ولكن ماذا عن الكبائر؟
إن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة، وإذا كنتَ تريد أن تخرج من رمضان مغفورًا لك، وأن يكون رمضانك هذا أجمل رمضان؛ بل أن يبدل الله سيئاتك حسنات {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]؛ فلا بُدَّ إذن من أن تطمع في أن يغفر الله لك الكبائر، ولكن كيف؟
لا بُدَّ أن توجِّه توبة خاصة لهذه الكبائر؛ فيجب أن تستحضر في ذهنك ذنوبك الكبيرة التي ارتكبتها، وتقلع عنها وتندم على إتيانها، وتعزم على عدم العودة إليها ثانيةً إن شاء الله، وإن كان لأحد من الناس حقٌّ عندك بسبب كبيرة ارتكبتها فلا بُدَّ أن تردَّه إليه.

ولكن العقبة الحقيقية التي تمنع الإنسان من التوبة من الكبائر هي ظنه أنه لم يفعل كبيرة أصلًا؛ فهو يظن أن الكبائر هي: الشرك والقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر والسحر والفرار من الزحف فقط، وما يدري أن هناك من أفعاله التي ربما يكررها يوميًّا مرات كثيرة ما هو أكبر الكبائر، مثل عقوق الوالدين؛ والعقوق كما عرَّفه العلماء: أَنْ يُؤْذِيَ الْوَلَدُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ أَبَوَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ كَبِيرَةً[22].

فكثير من الناس يعقون آباءهم وأمهاتهم دون أن يدروا أن ما يفعلونه عقوق، فمخالفة أوامرهم ونواهيهم عقوق، والسفر وتركهما دون موافقتهما عقوق، والزواج دون إذنهما عقوق، وتقديم الزوجة والأبناء عليهما عقوق، والتأفُّف من طاعتهما –ولو مع طاعة الأمر- عقوق، وعدم إظهار التوقير والاحترام لهما عقوق، وتجاهلهما عقوق، والنقاش معهما بصوت مرتفع أو إظهار أنهما على خطأ وأن الابن يفهم أكثر عقوق، وحتى قول: أُفٍّ. وغيرها من كلمات التضجر أو النظرة الحادة إليهما أو إلى واحد منهما هذا عقوق.

وأنا أعرف بعض الشخصيات ممن يؤدون الصلوات بانتظام في المسجد، ولكنه يقاطع أمه، ويتهجم عليها بكلمات لا يمكن أن يخاطب بها أصدقاءه أو جيرانه، ويتعالى على والديه، ويرى نفسه أكثر منهما علمًا وفكرًا ومالًا؛ فلا يستمع لنصحها.

فإذا أدركت ذلك فكيف أخرج من هذه الكبيرة؟
لا بُدَّ أن أتعامل مع والدي بكل تقدير وإكبار وتحقيق لما يطلبانه، ما داما لا يطلبان مني مخالفة شرع الله، وحتى لو طلبا ذلك فعليَّ عدم تنفيذ ذلك الأمر، ولكن مع حسن مخاطبتهما، وذلك عين ما أمرنا به الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

وهناك كذلك كبيرة الكذب؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا"[23].

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاذب بالنفاق؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"[24].

ويخطئ كثير من الناس بظنهم أن الكذب مجرَّد أن تروي أشياء غير صحيحة؛ ولكنه في الحقيقة يدخل في أبواب كثيرة؛ فمن الكذب اختراع الشائعات وكذلك ترويجها؛ يقول الله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 60].

ويفسر الإمام ابن كثير الآية بقوله: "{وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ} يعني الذين يقولون: "جاء الْأَعْدَاءُ"، وَ"جَاءَتِ الْحُرُوبُ"، وَهُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ"[25]. وهذا الكلام هو عين الشائعات التي يُرَوِّجها منافقو العصر وكل عصر ممن لا يريدون بالأمة خيرًا.

بل إن من الكذب أن ينقل كل ما يسمع من الكلام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"[26]. وفي رواية: "كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا"[27]. فما يسمعه الإنسان قد يتضمَّن كذبًا من غيره، أو شائعة، أو غيبة، أو سبًّا، أو إساءة من أي نوع.

هذا الذنب الكبير لا بُدَّ أن أتوب منه ليغفره لي الله سبحانه وتعالى في أجمل رمضان؛ لذا لا بُدَّ أن أتحرَّى الصدق في جميع أحوالي، وأترك الكذب حتى فيما كنت أراه هزلًا؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ[28] الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ"[29].

وهناك حديث للرسول صلى الله عليه وسلم في منتهى الأهمية والخطورة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَغِمَ أَنْفُ[30] رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ"[31].

لقد كرر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة "رغم أنف" التي تعني المذلة والخزي ليبين لنا –ضمن ما يبين- أن فوات المغفرة في شهر رمضان هو أعظم الخزي للمسلم؛ فالمغفرة هدف سامٍ ينبغي على المسلم أن يسعى وراءه بكل جهده، وإذا لم يحصل عليها فليس الأمر يتوقف على فوات فرصة جيدة كانت بالإمكان، وإنما قد خسرت وأصابك الخزي والذل؛ لأن فرصة الحصول على المغفرة في رمضان أكبر بكثير من الحصول عليها في غيره؛ حيث أبواب الثواب والفضل تكون مشرعة فيه؛ فإذا لم تستطع أن تكون أهلاً للمغفرة في رمضان فما أصعب الأمر في غيره!

نحن إذن أمام أمرين تتحقق بهما المغفرة:
الأول: الإحسان في الصيام والقيام وقراءة القرآن والصدقة؛ فتُغفر لنا الصغائر: "... إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

الثاني: التوبة الخاصة من كبائر الذنوب التي تطرَّقنا إليها في حياتنا، وهذه التوبة الخاصة لها شروط:

1- الإقلاع عن الذنب.
2- الندم على ارتكابه.
3- العزم على عدم العودة إليه.
4- إعادة الحقوق إلى أصحابها إذا كان الذنب في حق العباد.
فلو أكرمك الله بالتوبة من الصغائر والكبائر في شهر رمضان، وخرجت بصفحة بيضاء، فسيكون رمضانك هذا.. أجمل رمضان.

المصدر: كتاب اجمل رمضان للدكتور راغب السرجاني

[1] البخاري: كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية، (1802)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (760).
[2] البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، (1905)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (759).
[3] البخاري: كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر من الإيمان، (35)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (760).
[4] أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ...". قال أبو عبد الله (البخاري): وبلغني أنَّ جوامع الكلم أنَّ الله يجمع الأمور الكثيرة الَّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك. انظر: البخاري: كتاب التعبير، باب المفاتيح في اليد، (6611).
[5] ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379هـ، 4/115.
[6] المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، 6/191.
[7] البخاري: كتاب الصوم، باب فضل الصوم، (1795).
[8] البخاري: كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، (1804)، والترمذي (707)، وأبو داود (2362)، والنسائي (3245)، وابن ماجه (1689)، وأحمد (9838).
[9] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/236.
[10] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/236.
[11] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء، (757)، ومسند أحمد (14788).
[12] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/355.
[13] مختصر قيام الليل للمروزي ص58، وأبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/355، وابن الجوزي: آداب الحسن البصري، تحقيق: سليمان الحرش، دار النوادر، ط3: 1428هـ= 2007م، ص34.
[14] النسائي: كتاب صفة الصلاة، ترديد الآية (1083)، وابن ماجه (1350)، وأحمد (21366)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده حسن. والحاكم (879)، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في التعليق على ابن ماجه.
[15] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/355.
[16] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان... (762)، واللفظ له، والترمذي (3351)، وأبو داود (1378).
[17] البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، (1916)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، (1169).
[18] البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، (1913)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها... (1165).
[19] البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس، (1919)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، (1167).
[20] البخاري: كتاب التعبير، باب التواطؤ على الرؤيا، (6590)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، (1165).
[21] مسلم: كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات... (233).
[22] الصنعاني: سبل السلام، 2/630.
[23] البخاري: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] وما ينهى عن الكذب، (5743)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، (2607).
[24] البخاري: كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، (34)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، (58).
[25] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2: 1420هـ= 1999م، 6/482، 483.
[26] مسلم: مقدمة الإمام مسلم، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، (5).
[27] أبو داود: كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب (4992)، وابن حبان (30)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط الصحيح. وصححه الألباني، انظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 1/161.
[28] في ربض الجنة: أي حوالي الجنة وأطرافها لا في وسطها.
[29] أبو داود: كتاب الأدب، باب في حسن الخلق (4800)، وحسنه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (273).
[30] قال النووي: قال أهل اللغة: معناه ذل، وقيل: كره وخزي. وهو بفتح الغين وكسرها، وأصله لصق أنفه بالرغام، وهو تراب مختلط برمل. انظر: شرح النووي على مسلم (16/108، 109).
[31] الترمذي: كتاب الدعوات، باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رغم أنف رجل.. (3545)، وقال: حديث حسن. وأحمد (7444)، وقال شعيب الأرناءوط: صحيح وهذا إسناد حسن. وقال ابن حجر: هذا حديث حسن صحيح. انظر: نتائج الأفكار، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار ابن كثير، 4/ 24.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-05-27, 02:16 AM   #2 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي كيف تتفاعل مع القرآن في الصلاة؟



ينبغي أن يكون لنا ردُّ فعل لكل آية نسمعها! فبعض الآيات تتطلب إحساسًا معينًا، مثل الفرح أو الحزن، أو الخوف أو الرجاء، وبعض الآيات تتطلَّب ترديدًا لأذكار معينة، وبعضها يتطلَّب دعاءً وابتهالًا.. وهذه هي سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما وهو يصف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل: «.. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ..»[1]. وكذلك قال عوف بن مالك رضي الله عنه: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ..»[2].

ولنأخذ أمثلة على بعض ردود الفعل التي ينبغي لنا أن نتعلَّمها:

1- إذا مررت بآية فيها أمر بذِكْرٍ معيَّن لله عز وجل فاذكره بهذا الذِّكر؛ فإذا قرأتَ مثلًا: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}[الأعلى: 1]؛ فقل: سبحان ربي الأعلى. وإذا قرأتَ: {وَقُلِ الحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا..}[النمل: 93] فقل: الحمد لله. وإذا قرأتَ: {.. وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}[الإسراء: 111]، فقل: الله أكبر. وهكذا.

2- وإذا مررتَ بآية تدعوك إلى الاستغفار؛ مثل قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}[غافر: 55]، فاستغفر الله قائلًا: أستغفر الله. وإذا كانت الآية تدعوك إلى التوبة؛ مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا..}[التحريم: 8]، فاستحضر ذنوبك وتُب منها، واعزم ألَّا تعود إليها، واطلب من الله أن يتقبَّل توبتك، ويُعينك عليها.

3- إذا مررتَ بآية تتحدَّث عن يوم القيامة؛ مثل قوله تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}[هود: 104، 105]، فاسأل الله أن تكون من السعداء في هذا اليوم العظيم.

4- وإذا مررتَ بآية تتحدَّث عن الجنة ونعيمها؛ مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النحل: 32]، فاسأل الله أن تكون من الطيبين الذين يُقال لهم هذا القول الجميل.. أما إذا مررتَ بآية تتحدَّث عن النار وعذابها؛ مثل قوله: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}[الزخرف: 77] فاستعذ بالله من هذا المصير.

5- إذا قرأتَ آية تتحدَّث عن صفات المؤمنين؛ مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لمَعَ المُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69]، فقل: اللهم اجعلني من المجاهدين فيك، واهدني سبيلك، واجعلني من المحسنين، أو نحو ذلك من الدعاء، أمَّا إذا قرأتَ آية تتحدَّث عن صفات الكفار أو المنافقين أو العُصاة؛ مثل قوله: {.. وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ..}[الحديد: 23، 24] فقل: اللهم اعصمني من الخيلاء والفخر، وقني شرَّ البخل. أو نحو ذلك من الأدعية.

6- إذا مررتَ بآية دعاء من أدعية الأنبياء أو الصالحين أو الملائكة؛ مثل قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}[إبراهيم: 40، 41]، فأمِّنْ على هذا الدعاء قائلًا: آمين. أو كرِّر الدعاء نفسه، أما إذا مررتَ بآية تتطلب منك الدعاء فاستجب بسرعة، وقِفْ للدعاء خاشعًا، وأطِلْ في الدعاء، فإنه موضع إجابة إن شاء الله؛ وذلك مثل قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..}[غافر: 60]، أو قوله: {.. وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ..}[النساء: 32]، أو قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..}[البقرة: 186].

7- إذا قرأتَ قصة من قصص القرآن فتفاعل معها، واسأل الله أن يرزقك خاتمة المؤمنين فيها، وأن يعصمك من خاتمة المشركين والأشقياء فيها؛ وذلك كما في قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}[الصافات: 76]، فقل: اللهم يا من نجَّيتَ نوحًا وأهله من الكرب العظيم نجِّني وأهلي من الكرب العظيم. ومثل قوله تعالى في قصة فرعون وقومه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[الأنفال: 52]، فقل: اللهم يا قوي، يا شديد العقاب، يا مَن أهلكت فرعون وآله، لا تجعلني من الكافرين بآياتك، ولا تأخذني بذنوبي. أو مثل ذلك من الأدعية.

8- إذا مررتَ بموقف فيه فرح وسرور فافرح مع الفرحين، وليدخل قلبك السرور مع المسرورين؛ مثل فرحة الثلاثة الذين تاب الله عليهم في قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[التوبة: 118]، ومثل سرور يعقوب عليه السلام عندما رجع إليه بصره، ووجد ابنه يوسف عليه السلام في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا..}[يوسف: 96]، أما إذا وجدت صالحًا يحزن فشاركه حزنه وهمَّه، وتأثَّر لموقفه وألمه، مثل موقف نوح عليه السلام وهو يُشاهد فلذة كبده يغرق كافرًا أمام عينه في قوله تعالى: {.. وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ}[هود: 43]، أو عند حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقتل أصحابه رضي الله عنهم في أُحُد، وعلى رأسهم عمُّه الجليل حمزة رضي الله عنه؛ وذلك عند قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 166].. أو عند خوف موسى عليه السلام وحذره عندما قتَلَ المصريَّ، وصار مطلوبًا من فرعون وجنده، فاضطر إلى الهرب من مصر إلى مصير مجهول؛ وذلك عند قوله تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ}[القصص: 21].

9- إذا مررتَ بآية تتحدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ..}[الأنفال: 65]، أو قوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ..}[الأحزاب: 40]، أو قوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..}[الحشر: 7]، فصلِّ عليه، واسأل الله أن يحشرك معه، وأن يجعلك قريبًا منه في الجنة.

10- وإذا مررتَ بآية تسألك سؤالًا فأجب السؤال بإيمان ويقين؛ وذلك مثل قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ؟}[التين: 8]، فقل: بلى أحكم الحاكمين، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومثل قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى؟}[القيامة: 40]، فقل: بلى قادر، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومثل قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا؟}[النساء: 87]، فقل: لا أحد. ومثل قوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟}[الزمر: 36]، فقل: بلى أشهد أن الله كافٍ عبده.. أو قل نحو هذه من الإجابات التي تُعَبِّر عن فهمك للسؤال وتفاعلك معه..

11- إذا مررتَ بآية سجدة فاسجد، واستشعر أنك قد رُفعت وقُدِّمت على الشيطان بسجودك لله ورفضه هو للسجود؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ»[3].. واستشعر كذلك حماسة الصحابة للسجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سجود التلاوة؛ فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ»[4]. وقد اختلف العلماء في حكم سجود التلاوة؛ فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لقول الله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ}[الانشقاق: 20، 21]، وقال: هذا ذمٌّ، ولا يُذَمُّ إلا على ترك واجب. واختار هذا القول ابن تيمية؛ بينما ذهب الإمام أحمد، والإمام مالك، والإمام الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب بل سُنَّة مؤكَّدة، وهذا الرأي الأخير هو الذي عليه جمهور العلماء[5]، وإذا كان سجود التلاوة في الصلاة، فإن الإمام يُكبِّر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُكَبِّر في الصلاة في كل خفض ورفع[6]، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئًا من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة[7]، أما ما يقال في السجود فقد ورد في روايتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما الأولى فهي عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ». وأما الثانية فهي عَنِ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: «اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ[8]. ويمكن أن تجمع في سجودك بين الروايتين فتُحَقِّق الأجر الأكبر إن شاء الله.

فهذه بعض التفاعلات مع القرآن، مع التأكيد أن معظم ما ذكرتُه من أمثلة للتفاعل ليس فيها نصٌّ صريح من السُّنَّة النبوية؛ إنما الأصل الذي نعتمد عليه هو وصف حذيفة رضي الله عنه لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «.. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ..». وهو هنا لم يُحَدِّد طريقة السؤال أو صيغته؛ فدلَّ ذلك على سعة الأمر، وعلى أنه متروك للمسلمين حيث يختار كلُّ مصلٍّ أو قارئ الصيغة التي يراها مناسبة لكي يُحَقِّق التفاعل المطلوب، وما ذكرناه هو مجرَّد أمثلة، ولا شكَّ أن الأمر أوسع من ذلك بكثير.

إن خشوعنا في الصلاة مرتبط أشدَّ ارتباط بمدى استيعابنا لمعاني الرسالة الإلهية التي أرسلها لنا الله عز وجل، وما ذكرناه سالفًا هي أمور تجعلك قريبًا من القرآن ومعانيه؛ ولكن ما أجمل أن نختم هذه الصفحات ببشارة إلى القارئين لكتاب الله والمتدبِّرين فيه؛ وهي أن هذا التدبُّر لا يجعلك فقط قريبًا من القرآن، بل يجعل القرآن نفسه قريبًا منك! فيصبح القرآن مدافعًا عنك، وشافعًا عند الله لك! وهذا ما رواه النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ رضي الله عنه حين قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ». وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ[9] أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ[10] مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ[11] تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا»[12]!..

فأبشر يا صاحب القرآن..

متعة في الدنيا في صحبة كتاب الله..

ومتعة في الآخرة في حماية كلام الله..

ولله الفضل والمنة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

[1] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، (772)، والنسائي (1377).
[2] أبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، (873)، والنسائي (718)، وأحمد (24026)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده قوي. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. انظر: خلاصة الأحكام 1/396، وحسنه ابن حجر، انظر: نتائج الأفكار 2/74، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 4/27 (817).
[3] مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على مَنْ ترك الصلاة، (81)، وابن ماجه (1052)، وأحمد (9711).
[4] البخاري: أبواب سجود القرآن، باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة، (1026)، ومسلم: كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، (575).
[5] انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 5/74-79، وابن قدامة: المغني 1/446، والجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة 1/420، والموسوعة الفقهية الكويتية 24/212- 215، وسيد سابق: فقه السنة 1/219، 220، والزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 2/1127- 1130.
[6] انظر: الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة 1/424، ومحمد نعيم محمد هاني ساعي: موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي 1/183، والموسوعة الفقهية الكويتية 24/223، والزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 2/1134، 1135.
[7] ابن قدامة في المغني، 1/448.
[8] الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما يقول في سجود القرآن (3424)، وابن ماجه (1053)، وابن حبان (2768)، والحاكم (799)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه النووي، خلاصة الأحكام 2/623، والألباني، السلسلة الصحيحة (2710).
[9] الشَّرْقُ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا أَيْ ضِيَاءٌ وَنُورٌ. النووي: المنهاج 6/91.
[10] حِزْقَان: قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فِرْقٌ وَحِزْقٌ وَحَزِيقَةٌ؛ أَيْ جَمَاعَةٌ. انظر: النووي: المنهاج 6/90، 91.
[11] مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ: جَمْعُ صَافَّةٍ؛ أَيْ بَاسِطَاتٍ أَجْنِحَتَهَا فِي الطَّيَرَانِ. المباركفوري: تحفة الأحوذي 8/155.
[12] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، (805)، والترمذي (2883)، وأحمد (17674).
من كتاب كيف تخشع في صلاتك للدكتور راغب السرجاني
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-06-27, 06:16 PM   #3 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي السلام في الإسلام



جاء الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للبشرية، وإنقاذًا لها من براثن الغواية والضلال، وإخراجًا لها من الظلمات إلى النور، وحتى يصل بالبشر جميعًا إلى أعلى مراتب الأخلاق الإنسانية في كل تعاملاتهم في الحياة، وقد صرَّح بهذا الأمر حين قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[1].

ومن المعلوم أن العالَمَ عامةً والعرب خاصة في زمن نشأة النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل بعثته قد ذاق من ويلاتِ الحروب الكثير والكثير، وكانت القبائل العربية تتقاتل فيما بينها لأتفه الأسباب، بل من دون أسباب أصلاً على حَدِّ قول شاعرهم:

وأحيانًا على بكر أخينا *** إذا لم نجد إلا أخانا[2]

وقد جاء الإسلام العظيم لينتزع الناس من هذه الحياة بالغة السوء، ولينقلهم نقلة هائلة إلى حيث الأمن والأمان والهدوء والسكينة، ومن ثَمَّ كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحرص ما يكون على إبعاد الناس تمامًا عن الحروب، وعن كل ما يؤدي إليها، انطلاقًا من الرسالة السامية التي جاء بها من عند الله عز وجل نورًا وهدايةً وأمنًا ورحمةً للإنسانية كلها.

السلام في الإسلام

إن من يراجع آيات القرآن الكريم يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن الأصل في التعامل مع غير المسلمين هو تقديم السلام على الحرب، واختيار التفاهم لا التصارع، ويكفي أن كلمة السلم بمشتقاتها قد جاءت في القرآن الكريم مائة وأربعين مرة، بينما جاءت كلمة الحرب بمشتقاتها ست مرات فقط!!

والفرق بين العددين هو الفرق بين نظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلا الأمرين، ففي معظم أحواله صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن الطرق السلمية والهادئة للتعامل مع المخالفين له، ويحرص على تجنُّب الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك إلى حدٍ قد يتعجب له المحللون والدارسون كثيرًا.

لقد قال الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61].

هذه الآية الكريمة من كتاب الله عز وجل تُبَرْهِنُ بشكل قاطع على حب المسلمين وإيثارهم لجانب السلم على الحرب، فمتى مال الأعداء إلى السَّلْمِ رضي المسلمون به، ما لم يكن من وراء هذا الأمر ضياع حقوقٍ للمسلمين أو سلب لإرادتهم..

قال السدي وابن زيد: معنى الآية: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم[3].

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: التعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح تعبير لطيف، يلقي ظل الدَّعة الرقيق، فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم، ويُرخي ريشه في وداعة[4]!!

وتأتي الآية التي بعدها لتؤكد أيضًا أن التشريع الإسلامي أحرص ما يكون على تحقيق السلام، فلو أن الأعداء أظهروا السلم، وأبطنوا الغدر والخيانة؛ فلا عليك من نياتهم الفاسدة، واجنح للسلم قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]، أي أن الله يتولى كفايتك وحياطتك[5].

ويرى شيخ الأزهر السابق جاد الحق[6] رحمه الله أنه أصبح واجبًا على المسلمين أن يقيموا علاقات المودة والمحبة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، والشعوب غير المسلمة نزولاً عند هذه الأُخوَّة الإنسانية، منطلقًا من الآية الكريمة:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، معتبرًا هذه العلاقات هي التي تجسد معنى التعارف الوارد في الآية؛ فتَعَدُد هذه الشعوب ليس للخصومة والهدم؛ وإنما هو مدعاة للتعارف والتوادِّ والتحابِّ[7].

ويرى الشيخ محمود شلتوت[8] أيضًا أن السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامة، وإذا احتفظ غير المسلمين بحالة السلم، فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية[9].

وكان صلى الله عليه وسلم يجعل السلام من الأمور التي على المسلم أن يحرص عليها ويسأل الله أن يرزقه إياها، وكان يدعو فيقول: ‏"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.."[10]

كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكره كلمة حرب ولا يحب أن يسمعها وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ‏وَأَصْدَقُهَا: ‏حَارِثٌ ‏وَهَمَّامٌ، ‏وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةُ"[11]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُغيّر اسم مَن اسمه حرب إلى اسم آخر أحسن وأجمل، فعَنْ ‏ ‏هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، ‏عَنْ ‏عَلِيٍّ ‏رضي الله عنه، ‏قَالَ: "لَمَّا وُلِدَ ‏الْحَسَنُ ‏سَمَّيْتُهُ ‏حَرْبًا،‏ ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ:‏ ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُو حَسَنٌ"،‏ ‏فَلَمَّا وُلِدَ ‏الْحُسَيْنُ ‏سَمَّيْتُهُ ‏‏حَرْبًا، ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏‏فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُوَ ‏حُسَيْنٌ"،‏ ‏فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ ‏حَرْبًا‏، ‏فَجَاءَ النَّبِيُّ‏ ‏ صلى الله عليه وسلم ‏فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟" قُلْتُ: ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُوَ ‏مُحَسِّنٌ"، ‏ثُمَّ قَالَ:‏ "‏سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ ‏هَارُونَ: ‏شَبَّرُ ‏وَشَبِيرُ ‏وَمُشَبِّرٌ[12].

فهذه هي نظرته للحرب، وهذه هي نظرته للسلم..

ألا حقًا ما أرحمها من نظرة!

[1] أخرجه الحاكم في المستدرك (4221)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، والبيهقي في سننه الكبرى عن أبي هريرة وفيه "صالح" بدل "مكارم" (20571)، وفي مسند الشهاب (1165)، وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (45).
[2] البيت للقطامي وهو لقب غلب عليه، واسمه عمير بن شييم، وهو شاعر إسلامي مُقِلّ، وكان نصرانيًّا فأسلم، وكان فحلاً في الشعر، رقيق الحواشي، كثير الأمثال. انظر: ديوان الحماسة 1/128، المبرد: الكامل ص17، المرزوقي: شرح ديوان الحماسة 1/104.
[3] انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/ 398، 399.
[4] سيد قطب: في ظلال القرآن 2/ 1545.
[5] راجع في هذا المعنى القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/400.
[6] الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر السابق، ولد بمحافظة الدقهلية (1917م). تخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر، وعُيِّنَ وزيرًا للأوقاف، ثم اختير شيخًا للجامع الأزهر. له مؤلفات عديدة منها: "الفقه الإسلامي.. مرونته وتطوره"، و"بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة". توفي (1996م).
[7] جاد الحق: مجلة الأزهر ص810 ديسمبر 1993.
[8] هو الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق. من مواليد محافظة البحيرة بمصر (1893م). اختير شيخًا للأزهر سنة 1958م، من مؤلفاته: فقه القرآن والسنة، مقارنة المذاهب، يسألونك.. وهى مجموعة فتاوى، وتُرجِمت له كتب كثيرة لعدة لغات. توفى (1963م).
[9] محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص453.
[10] أبو داود (5074)، وابن ماجة (3871)، وأحمد (4785)، وابن حبان (961)، ورواه البخاري في الأدب المفرد (1200)، والطبراني في الكبير (13296)، والنسائي في السنن الكبرى (10401)، وقال الشيخ الألباني: صحيح، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات.
[11] أبو داود (4950)، والنسائي (3568)، وأحمد (19054)، والبخاري في الأدب المفرد (814)، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة (1040).
[12] أحمد (769) واللفظ له، ورواه الإمام مالك في الموطأ (660)، وابن حبان (6958)، والحاكم في المستدرك (4773) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه البخاري في الأدب المفرد (823)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
د.راغب السرجاني
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-07-18, 06:12 PM   #4 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي روح التسامح عند المسلمين



إنَّ روح السماحة التي تبدو في حُسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان- من الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليوميَّة، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء، وهذه الروح تكاد لا توجد في غير المجتمع الإسلامي.

تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدَيْن المشركَيْن اللذيْن يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8], ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.

وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعيَّة الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المُصِرِّين: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272].

وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدوِّن مذهبه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا؛ ليوزَّع على فقرائهم[1]. هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.

وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفـأصِلُها؟ قال: "نعم، صِلي أمك"[2].

وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} [العنكبوت: 46].

وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.

ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران -وهم من النصارى- لما قدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم". فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.

وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي) فذكر ما فيها من الفقه: "جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضًا، إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك"[3].

وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تُجْرَى عليهم[4].

وروى البخاري عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار".

وروى البخاري -أيضًا-: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله". وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا لِيَضِنُّوا عليه بشيء, ولكنه أراد أن يُعَلِّم أمته.

وقَبِل النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا من غير المسلمين، واستعان في سلمه وحربه بغير المسلمين، حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شرًّا ولا كيدًا.

ومرت عليه جنازة فقام صلى الله عليه وسلم لها واقفًا، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه الصلاة والسلام: "أليست نفسًا؟".

وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين, فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60], وهذا من مساكين أهل الكتاب[5].

ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجزومين من النصارى, فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.

وأصيب عمر رضي الله عنه بضربة رجل من أهل الذمة -أبي لؤلؤة المجوسي- فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده، وهو على فراش الموت فيقول: "أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألاَّ يكلفهم فوق طاقتهم"[6].

وعبد الله بن عمرو يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة، حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي؟ قال ابن عمرو: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"[7].

وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية، فشيَّعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم[8].

وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى, ولا يرون في ذلك حرجًا، بل ذهب بعضهم -كعكرمة وابن سيرين والزهري- إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.

وروى ابن أبي شيبة عم جابر بن زيد: "أنه سُئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم"[9].

وذكر القاضي عياض في "ترتيب المدارك" قال: "حدَّث الدارقطني أن القاضي إسماعيل بن إسحاق[10] دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به, فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد, وهذا من البر"[11].

وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين، وقد ذكرنا مثلاً لذلك: موقف الإمام الأوزاعي، والإمام ابن تيمية.

ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم, فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة, واحتمال إذايتهم في الجوار -مع القدرة على إزالته- لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم... إلخ[12].

المصدر: كتاب "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي".

[1] شرح السير الكبير 1/144.
[2] تفسير ابن كثير 4/349.
[3] زاد المعاد جـ3 ط. مطبعة السنة المحمدية.
[4] الأموال ص613.
[5] أبو يوسف: الخراج ص26، انظر: كتابنا "فقه الزكاة" 2/705، 706.
[6] أخرجه البخاري في الصحيح، ويحيى بن آدم في الخراج ص74، والبيهقي في السنن 9/206 باب الوصاة بأهل الكتاب.
[7] القصة رواها أبو داود في كتاب الأدب من سننه، والترمذي في البر والصلة، والبخاري في الأدب المفرد رقم (128). أما الحديث المرفوع فهو متفق عليه.
[8] انظر: فقه الزكاة السابق.
[9] ذكر ذلك ابن حزم في المحلى 5/117.
[10] من أعلام المالكية وقاضى بغداد، توفي سنة 282هـ. انظر ترجمته في "ترتيب المدارك" 3/166-181. ط. دار الحياة ببيروت، تحقيق الدكتور أحمد بكير محمود.
[11] المرجع السابق ص174.
[12] الفروق 3/15.
- قصة الإسلام
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-07-26, 03:56 PM   #5 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف



أشاع رجال الدين في أوربا في حملتهم الظالمة على الإسلام، ومعهم البابا بنديكت السادس عشر، أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا بحد السيف، وإخضاع الناس لعقيدته بالقوة العسكرية، ولولا هذا ما انفتحت له القلوب، ولا اقتنعت به العقول، ولكنها أكرهت عليه إكراهًا تحت بريق السيوف، فخيَّرهم بين الإسلام والقتل، فإما أن يسلم وإما أن يطير عنقه!

وقد قال الإمبراطور البيزنطي لمحاوره المسلم الفارسي فيما نقله عنه البابا: أرني ما الجديد الذي جاء به محمد، غير الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية، مثل أمره بنشر دينه بحدِّ السيف؟! نقلها البابا نقل المسلِّم لها، المقرِّ بها.

وهذه فِرية تكذبها تعاليم الإسلام القطعية، وتكذبها وقائعه التاريخية، ويكذبها المنصفون من المؤرخين المستشرقين أنفسهم.

فأما تعاليم الإسلام فهي تنفي الإكراه في الدين نفيًا مطلقًا عامًّا، بقوله تعالى في القرآن المدني: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

وهو يؤكد ما جاء في القرآن المكي من قوله تعالى بصيغة الاستفهام الإنكاري: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وقوله تعالى على لسان نوح: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28].

وأما دعوى تخيير الناس بين الإسلام والسيف، فهي كذبة أخرى؛ فالثابت بالنصوص الشرعية والوقائع التاريخية أن المسلمين كانوا يخيرون مَن يقاتلونهم -إذا كتب عليهم القتال- بين أمور ثلاثة: الإسلام أو دفع الجزية أو القتال. والجزية مبلغ زهيد يطلب من الرجال القادرين على القتال، ولا يؤخذ من امرأة، ولا صبي، ولا زَمِن، ولا أعمى، ولا فقير، ولا راهب في صومعته، وتتفاوت بتفاوت قدرات الناس، فكل على قدر طاقته، وطلب مثل هذا المبلغ -في مقابلة حمايته وكفالته والدفاع عنه- ليس شيئًا باهظًا يكره صاحبه على ترك دينه والدخول في الإسلام.

كما تقول وقائع التاريخ -أيضًا-: إن المسلمين حينما فتحوا البلاد، لم يتدخلوا قط في شئون دينها، ولم يُرغموا أحدًا قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أكره فيها فرد غير مسلم، أو أسرة غير مسلمة، أو بلدة غير مسلمة، أو شعب غير مسلم، على الدخول في الإسلام.

أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف كما أثبت التاريخ أن كثيرًا من البلاد الإسلامية التي نعرفها اليوم لم يدخلها جيش مسلم، ولكنها دخلت في الإسلام بتأثير التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء ولا دعاة محترفين، وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق الإيمان، وحسن الخلق، وحب الخير للناس، فكانوا أسوة حسنة، فأحب الناس دينهم بحبهم، ودخلوا فيه أفرادًا وجماعات. هكذا دخل الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وغيرها بوساطة تجار حضرموت وأمثالهم ممَّن جاءوا من جنوب اليمن، ضاربين في الأرض، مبتغين من فضل الله.

وهناك بلاد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها الإسلام عن طريق الطرق الصوفية، وعن طريق الاحتكاك بالمسلمين، والتأثر بسلوكياتهم وآدابهم وأفكارهم.

وحتى البلاد التي دخلتها الجيوش كان وجودها محصورًا في العواصم والثغور، لا في كل المدن والقرى.

أسلموا سلمًالم تدخل الجيوش الإسلامية التي فتحت الهند الكبرى، إلا في دائرة محدودة، ولكن انتشار الإسلام في القارة الهندية، كان أبعد وأوسع بكثير مما دخلته الجيوش، وامتدت دعوته شمالاً وجنوبًا، وشرقًا وغربًا، حتى كان من تأثيرها وجود دولتين إسلاميتين كبيرتين هما: باكستان وبنجلاديش، ووجود أكبر تجمع إسلامي للمسلمين في الهند بعد إندونيسيا، برغم شكوى كثير من العلماء والناقدين من تقصير المسلمين خلال حكمهم الطويل للهند، من توصيل الدعوة للهندوس، ولا سيما دعوة طائفة (المنبوذين) للإسلام دين الأخوة والعدالة والمساواة.
السيف لا يفتح قلبًا

ولقد اتخذ المبشرون والمستشرقون من الفتوح الإسلامية دليلًا على أن الإسلام إنما انتشر بهذه القوة والسرعة؛ نتيجة لأنه قهر الناس بالسيف، فدخل الناس تحت بريقه مذعنين طائعين.

ونقول لأصحاب دعوى انتشار الإسلام بالسيف: إن السيف يمكنه أن يفتح أرضًا، ويحتل بلدًا، ولكن لا يمكنه أن يفتح قلبًا؛ ففتح القلوب وإزالة أقفالها تحتاج إلى عمل آخر، من إقناع العقل، واستمالة العواطف، والتأثير النفسي في الإنسان.

بل أستطيع أن أقول: إن السيف المسلط على رقبة الإنسان، كثيرًا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف؛ فالإنسان مجبول على النفور ممَّن يقهره ويُذلُّه.

ومَن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، بعيدًا عن صليل السيوف، وقعقعة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم ما يحببهم إلى الناس، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل.

وانظر إلى بلد كمصر، وقد فُتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن ظلَّ الناس على دينهم النصراني عشرات السنين، لا يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد. حتى إن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر، واقتص لابنه من ابن والي مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه، لم يدخل في الإسلام، رغم أنه شاهد من عدالته ما يَبهر الأبصار.

وقد فنَّد الكاتب الكبير الأستاذ عباس العقاد هذه التهمة الباطلة في أكثر من كتاب له، ومما قاله: "شاع عن الإسلام أنه دين السيف، وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله أنه دين يفرض الجهاد ومنه الجهاد بالسلاح، ولكنه غلط بيِّن إذا أريد به أن الإسلام قد انتشر بحدِّ السيف، أو أنه يضع القتال في موضع الإقناع.

وقد فطِن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير، هو (توماس كارْلَيل) صاحب كتاب (الأبطال وعبادة البطولة)، فإنه اتَّخذ محمدًا صلى الله عليه وسلم مثلًا لبطولة النبوة، وقال ما معناه: "إنَّ اتِّهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس ممَّا يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا لدعوته! فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومه، فقد آمنوا به طائعين مصدِّقين، وتعرَّضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها".

قال العقاد: "والواقع الثابت في أخبار الدعوة الإسلامية: أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب، قبل أن يقدروا على دفع الأذى من مشركي قريش في مكة المكرمة، فهجروا ديارهم، وتغربوا مع أهليهم، حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم، فهل يأمنون على أنفسهم في مدينة عربية قبل التجائهم إلى (يثرب) وإقامتهم في جوار أخوال النبي u مع ما بين المدينتين (يعني: مكة ويثرب) من التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للأمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحبوا بمقدمهم لولا ما بين القبيلتين الكبيرتين فيها (قبيلتي الأوس والخزرج) من نزاع على الإمارة فتح بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون بعد أن ضاق بهم جوار الكعبة، وهو الجوار الذي لم يضق من قبل بكل لائذيه في عهد الجاهلية.

ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحاربة القوة التي تصدُّهم عن الاقتناع، فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة، وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء.

وقد بيَّن الأستاذ العقاد أن المسلمين سالموا الحبشة ولم يحاربوها، وإنما حاربوا الفرس، وحاربوا الروم؛ لأنهم هم الذين بدءوا بالعدوان على المسلمين.

دعوة إلى دين الله الإسلامقال: ولم يفاتح النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا بالعداء في بلاد الدولتين، وإنما كتب إلى الملوك والأمراء يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم، إلا بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعدادهم العدة لقتال المسلمين. وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبوغت المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها والتحصن دونها"[1] اهـ.

المصدر: كتاب (البابا والإسلام).

[1] انظر: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص219، 220.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ slaf elaf على المشاركة المفيدة:
قديم 2018-08-09, 01:56 PM   #6 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي رحمة الرسول في الحج



لا شك أن مَن حَجَّ أو اعتمر شعر بشيء من المشقة يتفاوت من إنسان إلى إنسان, ومن ظروف إلى أخرى, ولكنه على كل حال مشقة, بل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج كالجهاد بالنسبة للمرأة, للجهد العظيم الذي يُبذَل فيه..

قالت عائشة رضي الله عنها: يَا رسول الله, نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لا, لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ"[1].

ولأجل هذه المشقة فقد عظَّم الله عز وجل أجر الحج والعمرة, ووعد عليه أعظم الثواب..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا, وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ"[2].
صور من يسر الإسلام في الحج

شرط الاستطاعة:

ليس الغرض من هذه الفروض تعذيبًا للمسلم, أو إحراجًا له, إنما هو اختبار, والله تعالى ييسره حتى يتحمله غالب المسلمين إلا من عُذِرَ بأعذار خاصة, وهؤلاء يسقط عنهم فرض الحج, لأن الله جعله للمستطيع فقط..

قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97].
الحج مرة واحدة في العمر:

ولأجل التيسير أيضًا فإن الله عز وجل فرض الحج مرة واحدة في العمر كله, وهذا تيسير عظيم, ورحمة كبيرة, وتقدير لظروف عموم الناس..

ومع هذا التيسير الكبير إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع الأمر برحمته المعهودة, وبرفقه العظيم, فزاد الأمرَ تيسيرًا ورفقًا..

لقد وقف يومًا يخطب في الناس فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ, قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا", فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ, ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ"[3].

لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قادرًا على الحج كل عام, بل من المؤكد أنه كان يشتاق لمثل هذه العبادة الجليلة, لكنه لا يريد أن يقيس الأمر على نفسه, بل يريد أن يقيس الأمر على عموم المسلمين, وذلك بمن فيهم من الضعفاء والكبار والنساء بل والمشغولين أو غير المشتاقين إلى هذه العبادة..

والرجل يسأل ويكرر: أفي كل عام يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لن يجيب بنعم إلا إذا أراد الله عز وجل, ولكنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن الأمة إذا شدَّدت على نفسها شدَّد الله عليها, ولذلك ذكَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث مع الأمم السابقة التي كانت تُكْثِر من الأسئلة دون احتياج, والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يرحم هذه الأمة, وينقذها من أي هَلَكَة..

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أمرًا عظيمًا, وشيئًا جليلاً أَعُدُّه من رحمته الواسعة, وهو أنه حج مرة واحدة في حياته!

ولو راجعت السيرة النبوية لوجدت أن مكة قد فُتِحَت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة, وكانت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصة الحج في السنة الثامنة ثم التاسعة, لكنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحج في السنة العاشرة, ومهما قيل من أن السبب في عدم حجه هو وجود مظاهر شركية في العامين الثامن والتاسع من حج المشركين, وطواف بعضهم عرايا إلا أن هذا لا يكفي لتبرير اقتصاره على حجة واحدة في العام العاشر, فقد كان من الممكن -والقوة معه- أن يمنع هذه المظاهر الشركية, ويُتمَّ حجه مرتين أو ثلاثة, لكنه لم يفعل.

إن المسوغ الواضح الذي يبدو لي هو أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكون القدوة لأمته في الحج مرة واحدة في العُمْر..

نعم لا حرج من الحج أكثر من مرة, بل إن هناك نصوصًا تدل على فضل تتابع الحج والعمرة, إلا أنه أراد أن يرفع الحرج عن عموم المسلمين, وذلك رحمةً بهم..

فلو حَجَّ مرتين مثلاً لأراد المسلمين أن يقتدوا به في عدد مرات حجه, وبالتالي يصبح هذا مشقة عليهم, وهو ما ترفضه رحمته ..

ومن ثَمَّ اختار أن يحج مرة واحدة مع شوقه إليه!!

صور من رحمة الرسول في الحج

وفي حجته الوحيدة ظهرت آيات رحمة النبي صلى الله عليه وسلم تَتْرَى!! فمن دلائل رحمته بالحجاج في هذه الحجة أنه كان يعلم أن مناسك الحج غير مشهورة بين الناس كمناسك الصلاة والصيام, وذلك لأن الحج لا يتكرر إلا قليلاً, وقد لا يتكرر أبدًا في حياة الإنسان, ولذلك كان يقبل صلى الله عليه وسلم بتغييرات في ترتيب المناسك, ولا يلوم أبدًا فاعليها..

من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: مِنْهُمْ يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم, إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فَارْمِ وَلا حَرَجَ" قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَيَقُولُ: "انْحَرْ وَلا حَرَجَ" قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ وَيَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا إِلا قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم "افْعَلُوا ذَلِكَ وَلا حَرَجَ"[4].

النوم في المزدلفة:

ومن دلائل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا بالحجاج أنه نام في المزدلفة من بعد وصوله وصلاته للمغرب والعشاء جمعًا, وذلك إلى صلاة الفجر[5], ولم يَرِدْ عنه أنه صلى هذه الليلة قيامًا ولا صلى وترًا, وهذا من رحمته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين, فهو يعلم مدى المشقة التي كانت في يوم عرفة والدفع من عرفة إلى المزدلفة, فأراد أن تكون سُنَّته التي يقلده فيها مَن في المزدلفة هي النوم الهادئ المريح غير المقطوع باستيقاظ أو صلاة!!
ترك المزدلفة قبل الفجر رحمة بالضعفاء:

وأيضًا من دلائل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أنه أَذِنَ للضعفاء أن يتركوا المزدلفة ليلاً قبل الفجر لكي يدركوا الجمرات قبل الازدحام, تقول عائشة رضي الله عنها: "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ, وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا, فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ, وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ"[6].

رمي الجمرات بحصى صغير:

ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى الجمرات بحصى مثل حصى الخذف[7], وهو حصى صغير في حجم حبة الباقلاَّ كما يقول الإمام النووي[8], وهذا الحجم الصغير حتى لا يؤذي إنسانًا بطريق الخطأ..

إن تتبع رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في حجته يصعب, لأن ذلك يتطلب منا أن يتناول الحجة بكاملها, فقد كانت كلها رحمة, وهذا ليس مستغربًا مع كون الحج مشقة, لأن الله تعالى ما كلَّف أمرًا إلا ووضع في الإنسان من الطاقة والقدرة ما يمكِّنه من فعله, فإذا كان المُطَبِّق والمُعَلِّم مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحمته ورأفته صار الأمر ميسورًا وسهلاً إن شاء الله, وصلَّ اللهُمَّ على الذي قُلْتَ في حقه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

[1] البخاري: كتاب الحج, باب فضل الحج المبرور (1448), وأبو يعلى (4717), والبيهقي في السنن الكبرى (17583).
[2] البخاري: أبواب العمرة, باب وجوب العمرة وفضلها (1683), ومسلم: كتاب الحج, باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1349), والترمذي (933), والنسائي (2629), وابن ماجة (2888), ومالك برواية يحيى الليثي (767), وابن خزيمة (2513), وابن حبان (3696).
[3] مسلم: كتاب الحج, باب فرض الحج مرة في العُمْرِ (1377), وأحمد (10615), والبيهقي في سننه الكبرى (8398).
[4] البخاري: كتاب العلم, باب الفُتيا وهو واقف على الدابة وغيرها (83), ومسلم كتاب الحج, باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي (1306)واللفظ له, والترمذي (916), وأبو داود (2014), وأحمد (6484), والدارمي (1907), وابن حبان (3877).
[5] مسلم: كتاب الحج, باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
[6] البخاري: كتاب الحج, باب من قدم ضَعَفَةَ أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1597), ومسلم كتاب الحج, باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى مِنَى (1290), وأحمد (25061), والدارمي (1886).
[7] مسلم: كتاب الحج, باب استحباب كون عصى الجمار بقدر حصى الخذف, وباب بيان وقت استحباب الرمي (1299), والترمذي (897), والنسائي (3020), وأبو داود (1966), وابن ماجة (3028), وأحمد (1896), والدارمي (1898), وابن خزيمة (2873), وابن حبان (3872).
[8] النووي: شرح صحيح مسلم 9/47.
- د. راغب السرجاني
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-08-30, 02:49 PM   #7 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي التكافل المجتمعي .. التحديات وإمكانية التطبيق



الإنسان مخلوق اجتماعي بالفطرة، هذه حقيقةٌ لا ريب فيها.

لقد خلق الله الناس مختلفين، وأنعم على كلِّ إنسانٍ بطاقات وإمكانيَّات ومواهب وقدرات، وتتفاوت هذه النعم من فردٍ إلى آخر، ولا تستقيم حياةٌ إلَّا بتكامل وتكافل الجميع، فهذا يسدُّ ثغرة، وذاك يسدُّ أخرى، وبهذا تسير الحياة وتتقدَّم وتتطوَّر.

ولم يكن هذا التكافل المحمود، والتعاون المنشود خاصًّا بالمسلمين فقط، أو معنيًّا بطائفةٍ دون أخرى؛ إنَّما كان عامًّا على عموم البشر، وكافَّة المجتمعات؛ لذلك يقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].

فَهِمَ المسلمون هذا الفهم، فنقلوا العالم نقلة نوعية كبيرة، وذلك من مجتمعات يترسَّخ فيها التمايز الطبقي، والتنافر بين أفراد الشعب الواحد -فضلًا عن الشعوب الأخرى- إلى مجتمعٍ إنسانيٍّ راقٍ، يعطف فيه الأخ على أخيه، والجار على جاره، والغني على الفقير، والقوي على الضعيف؛ بل وأدخل المسلمون -في أمانةٍ شديدة، ورحمةٍ متناهية- غيرَ المسلمين معهم في منظومتهم الإنسانيَّة، فعاشوا أيَّامًا سعيدة، ورُفع عن كواهل الناس الظلم والاستبداد والقهر والطبقيَّة.

وليس كلامنا هذا كلامًا نظريًّا؛ إنما هو واقع رأيناه حيًّا في مواقف وكلمات رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم، وكذلك في حياة أصحابه وخلفائه، ومن بعدهم في مراحل التاريخ المختلفة، التي ضرب فيها المسلمون أروع الأمثلة في التكافل مع الآخر، وفي إغاثة المكروب وعون الملهوف.

التحديات التي تواجه التكافل المجتمعي:

ومع ذلك، فليس هناك أدنى ريبةً أنَّه تُوجد مجموعةٌ من المعوقات والتحديَّات التي تواجه المجتمع الإسلامي على كافَّة المستويات: الفرد والهيئات والدولة، فَمِنْ جملة المحاور الحياتيَّة التي انعدم أو كاد أن ينعدم دور الأفراد في المشاركة والعطاء فيها العمل التكافلي والإغاثي؛ إذ أصبح واقع المسلمين في مدنهم وقُرَاهم ومجتمعاتهم يُنبئ عن خطرٍ شديد؛ إذ يمكث الغني بجوار الفقير، ويعلم هذا الغني أنَّ الفقير محتاجٌ له ولمساعدته العاجلة، إلَّا أنَّه يأبى أن يُشاركه في همِّه ومصابه، أو يُكفكف عنه وعن أولاده وأهله حزنه وضيق حاله؛ بل يعيش كثيرٌ من الجيران بجوار بعضهم، فلا نسمع أنَّ هناك من يكفل بعض الأيتام من أبناء جيرانه، أو يُساعد مريضًا محتاجًا إليه، والأدهى من ذلك أنَّ العلاقة القويَّة التي حرص الإسلام على وجودها بين الأقارب والمتمثِّلة في صلة الأرحام، باتت مُفتقَدةً عند كثيرٍ من الناس إلَّا من رحم الله سبحانه وتعالى، حيث كانت تتخلَّل هذه العلاقة بين الأقارب نوعٌ من أنواع العمل التكافلي والإغاثي فيما بينهم، فما الذي غيَّر من طبيعة المسلمين، وأثَّر سلبًا على روح التكافل والرحمة فيما بينهم؟! وبالأحرى ما هي التحديَّات التي تواجه المسلمين وتَحُولُ بينهم وبين المشاركة الفعَّالة في نهضة المجتمع الإسلامي، ومِنْ ثَمَّ إعادة العمل الإغاثي فيما بينهم؟

لا ريب أنَّ هذا السؤال يدخل في نطاق التحديَّات العامَّة التي أثَّرت على المسلمين في كافَّة مناحي حياتهم، فمن بُعْد عن المنهج الإسلامي الشامل الذي تقوم فلسفته على اتِّباع الإسلام في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، ومِنْ ثَمَّ التخلُّق بأخلاقه، والتعامل وَفق ما أمر به، وهذا الجفاء للإسلام أصبح -للأسف الشديد- واقعًا معاشًا سواءٌ فيما خصَّ الأفراد أم خصَّ المؤسَّسات والحكومات والهيئات.

وتأتي التحديَّات السياسية -على مستوى نُظُم الحكم والإدارة وإقامة العدل وتطبيق الشورى- من خلال مجموعةٍ من الآليَّات التي تضمن مشاركة فئات المجتمع المختلفة، واحترام حقوق الإنسان التي اعتبرها الإسلام جزءًا أساسيًّا من مقاصد الشريعة، ودعا إلى صيانتها، واحترام القيم الثابتة للحضارة الإسلامية، ولا ريب أنَّ الأوضاع السياسية في مجتمعاتنا الإسلامية أصبحت من الإشكالات التي قسَّمت المسلمين إلى طائفتين كبيرتين متعارضتين، ونالت من معنى الوسطيَّة إشكاليَّةُ الدين والسياسة، وما يتعلَّق بها من قضايا كــ العلمانية والحاكمية والإمامة؛ حيث أعلنت إحدى الطائفتين أنَّ الإسلام يخلو من أيِّ محتوًى سياسي، وأنَّه في أصله علماني، وهو ما أدَّى إلى اندلاع صراعٍ سياسيٍّ حادٍّ في البلاد الإسلامية بين أنصار العلمانية وأنصار شمولية الإسلام، ما زال مستمرًّا إلى الآن[1].

وهناك التحديات الاقتصادية على مستوى الاختيارات الاقتصادية التي تبتعد كلَّ البعد عن الاقتصاد الإسلامي القويم، والإصلاحات والتطبيقات الهادفة إلى معالجة الضعف الاقتصادي، وما يترتَّب عليه من مشكلات اجتماعية؛ فقد بات من المتعارف عليه أن يهتمَّ كلُّ مسلمٍ بمسؤليَّاته الخاصَّة، والبحث عن (لقمة العيش) التي أصبح من الصعب الحصول عليها، ممَّا ترتَّب عليه خللٌ في النظام الاقتصادي والاجتماعي في كثيرٍ من مجتمعاتنا الإسلامية؛ حيث انقسمت كثيرٌ من هذه المجتمعات إلى قسمين: الأول: وهم أصحاب المال -مقارنة بعدد السكان- قليلون جدًّا. والقسم الثاني: وهم عامَّة الناس وسوادهم وهم بالملايين، والنسبة الغالبة من هؤلاء تحتاج إلى التكافل والإغاثة، والأكثر من ذلك على مستوى السياسات الاقتصاديَّة لكثيرٍ من الدول الإسلامية التي أَقَرَّت النظم الاقتصاديَّة المخالفة لِمَا أقرَّه الإسلام، كالنظم الرأسمالية التي تزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أو النظم الاشتراكية التي تُلغي الخصوصيَّة التي أَقَرَّهَا الإسلام للأفراد، وغيرها من النظم الاقتصادية الأخرى التي رَسَّخت كلَّ ما هو مادِّي، وجعلت الوصول للمال غايةً في حدِّ ذاته.

ولا ننسى التحديات الثقافية على مستوى التنظير، والتخطيط، والعمل الثقافي في حقوله المتعدِّدة لبناء الفكر الإسلامي الوسطي المنفتح على العالم بروح سمحة وعطاء مبدع، ومعالجة نوازع التطرُّف والانغلاق، وعلى مستوى المواجهة المتكافئة مع التيارات الثقافيَّة المتعدِّدَة الوافدة من الغرب والشرق معًا، التي تدعو كثيرٌ منها إلى إرساء مجموعةٍ من المبادئ التي تتعارض كلَّ المعارضة مع الإسلام ومنهجه.

وهناك التحديات الاجتماعية على مستوى محاربة الثالوث الخطر، وهو الفقر والجهل والمرض، ومقاومة اليأس الذي يدفع بالشباب إلى الوقوع في شباك التطرف أو الضياع، وعلى مستوى المواءمة بين النظم وأنماط السلوك الحديثة وبين المحافظة على الثوابت والخصوصيات الإسلامية والحضارية التي يقوم عليها النظام الاجتماعي في بلادنا.

ولا شكَّ أنَّ للعولمة تأثيرًا بات واقعًا على تشكيل الهويَّة وبناء الشخصية الإسلامية؛ ولذلك فعدم الإدراك الكامل للمخاطر الحقيقية التي ينطوي عليها نظام العولمة الكاسحة -التي يُخلط بين الغثِّ والسمين، ولا يتَّضح في كنفها الحقُّ من الباطل- يُؤَثِّر سلبًا على زعزعة استقرار المجتمع الإسلامي وتوجُّهاته على كافَّة الأنظمة السياسيَّة والإداريَّة والاقتصاديَّة.

وتُعاني كثيرٌ من بلادنا من ضعف الاهتمام بالبحث العلمي، وقلَّة الدعم المخصَّص للباحثين في مجالات المعرفة المختلفة، سواءٌ من قِبَل الدولة أو من قِبَل القطاع الخاصِّ؛ فالتطوُّر والنموُّ ورفاهية الشعوب لا يتمُّ إلَّا بالاستناد إلى توظيف نتائج البحث العلمي توظيفًا سليمًا وفعَّالًا.

وممَّا زاد من صعوبة الأوضاع الاقتصاديَّة في بلادنا: عدم وجود مواءمة لمخرجات التعليم في البلاد الإسلامية مع حاجات سوق العمل المتنامية، ممَّا يترتَّب عليه بلا ريب وجود البطالة التي تُعاني منها كافَّة البلاد الإسلامية بلا استثناء[2].

التحديات التي تواجه الهيئات الإغاثيَّة:

ومن دون شكٍّ فكما يُعاني الأفراد من المعوقات والتحديات -سواء على الصعيد الديني والأخلاقي أو على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي- فإنَّ الهيئات العاملة في مجال الإغاثة تُعاني هي الأخرى من مجموعةٍ من التحديات الصعبة، التي تعوق تَقَدُّمَها وانتشارها في المجتمعات الإسلامية.

فهذه الهيئات قليلة العدد مقارنةً بالمتطلِّبات والاحتياجات المفتقدة عند ذوي الحاجة والفاقة من أبناء أُمَّتنا، كما تُوَاجه كثيرًا من التحديات السياسية؛ فبعض الدول والحكومات تصفها بأنَّها إرهابيَّة يجب صدُّها وإيقاف جميع أنشطتها، وما تفعل تلك الدول هذه الأفاعيل إلَّا للأحقاد والضغائن التي تملأ قلوب مسئوليها؛ إذ من سعادتهم أن يعيش المسلمون في فقرٍ وضعفٍ وجهل.

وهناك التحديات الاقتصادية التي تواجه هذه الهيئات الخيرية والإغاثية من حيث افتقادها للدعم المالي من الأفراد والحكومات وأبواب الخير الأخرى؛ ممَّا ينتج عنه خللٌ وظيفيٌّ من حيث إعانة المحتاجين، والتيسير على المعسرين من أبناء أمتنا، وغيرها من الوظائف المهمَّة التي تقوم بها هذه المؤسَّسات، التي تكون مهدَّدة بالتوقُّف نظرًا إلى ضعف الموارد الماليَّة التي تصل إليها.

وأمَّا التحديات الإعلامية فهي من أخطر ما يُواجه هذه المؤسَّسات؛ فضعف الإعلام الداعم لمنظمات العمل الإغاثي، من حيث التعريف بهذه المؤسَّسات وأهميَّتها بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، ينتج عنه عدم وضوح أهداف تلك المنظَّمات ومِنْ ثَمَّ عدم تعاطف وتفاعل المجتمع مع هذه المنظَّمات؛ ممَّا ينتج عنه ندرةٌ في الموارد المالية الداعمة لهذه المؤسَّسات عن طريق ضعف التبرُّعات والهبات، وغيرها، والأخطر من ذلك عدم قدرة هذه المؤسَّسات في كثيرٍ من الأحيان على دحض الشائعات المتعلِّقة بالتبرُّعات والهبات، أو دحض الشائعات التي تصف هذه المؤسَّسات بأنَّها داعمة للإرهاب وأعمال العنف.

ومن أهمِّ المعوقات التي تقف حائلًا أمام المنظمات الإغاثيَّة ما يتعلَّق بضعف المعلومات، فمن الأجدى أن تتعاون المنظمات الإغاثيَّة مع بعضها البعض؛ إذ لا يُمكن لمنظَّمةٍ واحدةٍ أن تتعرَّف على كافَّة المناطق المنكوبة، ومِنْ ثَمَّ وجب على هذه المنظمات والهيئات أن تستفيد من الخبرات التخصُّصية لبعضها البعض؛ ممَّا يُسَهِّل العمل الإغاثي والتكافلي، ويُوَفِّر كثيرًا من الأموال المنفقة بغير فائدة.

إمكانية التطبيق

لا ريب أنَّ ما ذكرناه آنفًا يُمَثِّل مجموعة من أهمِّ العوامل التي تَحُول دون تحقُّق مبدأ التكافل والإغاثة داخل المجتمع الإسلامي، لكن يبقى السؤال مطروحًا، وهو: هل بالإمكان أن يعود التكافل والتراحم داخل المجتمع الإسلامي؟ وهل يُمكن أن نرى أمجاد الأجداد واقعًا في حياة الأحفاد، خاصَّةً فيما يتعلَّق بالجانب السلوكي والأخلاقي ومن جملته العمل التكافلي؟!

قطعًا لا يستطيع أيُّ عاقلٍ أن يُجيب بالنفي، أو يأخذه اليأس نتيجة ما يراه وما يُشاهده؛ لأنَّ المسلم بطبعه مستبشرٌ بالأمل الذي حضَّ اللهُ على التمسك به؛ فقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. ومن واقع هذه الآية القرآنية الكريمة أدركنا أنَّ هناك حلولًا يُمكن أن تُعالج ما بات مفتقدًا في المجتمع الإسلامي؛ فأوَّل هذه الحلول يتمثَّل في تطبيق المنهج الإسلامي في كافَّة أنماط الحياة، وذلك على مستوى الأفراد: في العبادات، والمعاملات، والأخلاق، وغيرها، وقبل تطبيق الإسلام كمنهجٍ شاملٍ متكاملٍ يجب أن نُنَبِّهَ على أهميَّة التربية بجميع محاورها؛ لأنَّه لا يُمكن تحقيق النهج الإسلامي ما دام الأفراد بعيدين كلَّ البعد عن الحدود الدنيا للأخلاق، ومع استعادة البريق الإسلامي على واقع الحياة، فإنَّ العمل الإغاثي والتكافلي الذي ينطلق من مَعِين التراحم سنجده واقعًا ملموسًا بيننا؛ إذ لا ريب في ذلك؛ لأنَّ الدافع الذي يُحفِّزهم للانطلاق في العمل الخيري أصبح متمثِّلًا في قوَّةٍ لا يُمكن تجاهلها، أَلَا وهي "الإسلام".

ولذلك فإنَّه بالإمكان تقسيم الوسائل العمليَّة لتحقيق التكافل على المستوى المجتمعي إلى قسمين: الأول: الوسائل الواجبة؛ ومنها: أداء فريضة الزكاة، وإخراج النذور والكفَّارات، و الأضاحي، و صدقة الفطر، وإسعاف الجائع والمحتاج. والقسم الثاني: الوسائل التطوعية؛ ومنها: إنشاء الأوقاف بأنواعها المختلفة: كالوقف الخيري والذُّرِّيّ، وإخراج الوصايا، والحضُّ على جمع الصدقات وإخراجها، والحرص على وجود ولائم الضيافة، وضرورة وجود العارية وهي من أعمال التكافل الجلية فيما بين الجيران، والاهتمام بتبادل الهدايا النافعة بين المسلمين، وضرورة التربية على خُلُق الإيثار.

وهناك مسئوليَّة كبيرة على عاتق الدول الإسلامية في تحقيق التكافل والإغاثة، ويُمكن أن نُقسِّم وظيفة الدولة في هذا المضمار من خلال أمرين مهمين: الأول: ضرورة تأمين موارد المال، عن طريق جمع أموال الزكاة من مستحقِّيها، واستخدام أفضل السُّبل في الاستفادة من الوقف الخيري، وكذلك ضرورة الاستفادة من وسائل التكافل الفردي والحرص على دعمها وترشيدها، وتحويلها مع الوقت إلى مؤسسات فاعلة ومتخصصة، والاستفادة من الأموال المكدسة في البنوك؛ كإقامة مساكن للشباب، أو مستشفيات للمرضى، أو مدارس للفقراء والأيتام، وغيرها من المشاريع التنموية والتكافلية المهمَّة. الأمر الثاني: ضرورة توزيع المال على المستحقِّين باستخدام أعدل الوسائل وأنفعها، وضرورة وجود الأجهزة الرقابية التي تضمن وصول الأموال لمستحقيها عن طريق القروض وغيرها[3].

ولعلَّ ممَّا يقضي على شبح الفقر والأدواء الاجتماعية المتفشية، ضرورة توفير فرص العمل للشباب؛ وذلك لتربيتهم على الإنتاج، وليس على الاستهلاك والتواكل والكسل.

ويجب مراعاة تفعيل دور العائلة في التكافل والتراحم فيما بينهم، حيث يحرصُ الأغنياء على إعانة ومساعدة أقاربهم من الفقراء، والحرص على كفالة الأيتام داخل العائلة الكبيرة، فلا شكَّ أنَّ هذه اللُّحمة القوية -التي أصبحت مفتقدة عند الكثيرين- ستُساعد على سدِّ ضروريَّات هؤلاء الفقراء، ومساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة، ولا شكَّ أنَّ الأقربين أولى بالمعروف.

ولا يغيب عنَّا أن نُؤَكِّد على دور العلماء والمربِّينَ في توجيه المجتمع نحو التكاتف والتكافل، وضرورة إنشاء مؤسَّسات متخصِّصة في إعادة اكتشاف المواهب والطاقات يُشارك فيها العلماء المتخصِّصون.

ومن دون شكٍّ فإنَّ تطبيق هذه الآليَّات وغيرها سوف يُساعد على حلِّ كثيرٍ من المشاكل المستعصية في مجتمعاتنا؛ ولذلك فمن آثار التكافل والإغاثة بين المسلمين أن نجد تحقيق المحبَّة والأخوة والتعاون بين أفراد المجتمع، ولا شكَّ أنَّه سيُساعد على القضاء على العوامل المدمِّرة في المجتمع؛ من جهل وجوع ومرض، كما يُقلِّص الفوارق الاجتماعية؛ بل ويحقق الوَحدة وتماسك المجتمع، ونيل الثواب وكسب رضا الله سبحانه وتعالى، والشعور بالرحمة، وطهارة النفس من الشحِّ والحقد.

وفي نهاية حديثنا لا يخفى على القارئ الكريم أنَّ هناك مجموعةً من الهيئات والمؤسَّسات الخيريَّة الكبرى في المجتمعات الإسلامية، التي لها جهد مشكور وملموس في العمل الإغاثي والتكافلي في الواقع المعاصر، ومِنْ ثَمَّ ولأهميَّة دور هذه المؤسَّسات سنُفردُ لها -بإذن الله تعالى- مؤلَّفًا خاصًّا يُبرز أهميَّتها ودورها الناجع في العمل الإغاثي الإسلامي.

وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين.

كتاب رحماء بينهم، للدكتور راغب السرجاني.
[1] أمحمد جبرون: مقال بعنوان "الوسطية في سياق العصر"، جريدة العرب القطرية، العدد 7483، ديسمبر 2008م.
[2] عبد العزيز بن عثمان التويجري: مقال بعنوان: (المسلمون والتحديات المعاصرة)، جريدة الشرق الأوسط، العدد 8778، ديسمبر 2002م.
[3] عبد الله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي في الإسلام ص3، 4.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-09-13, 12:35 PM   #8 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي طريق الهجرة من مكة إلى المدينة



أكمل الركب الكريم (رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه) رحلته في طريق وعر حدَّده المؤرِّخون وعرفوه، فعن عروة رحمه الله قال: "فَأَجَازَ بِهِمَا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، ثمَّ مَضَى بِهِمَا حَتَّى حَاذَى بِهِمَا السَّاحِلَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ [1]، ثمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ بَعْدَمَا جَاوَزَ قُدَيْدً [2]، ثمَّ سَلَكَ الْخَرَّارَ [3]، ثمَّ أَجَازَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَّةِ [4]، ثمَّ أَخَذَ عَلَى طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا: الْمَدْلَجَةِ [5]، بَيْنَ طَرِيقِ عَمْقٍ [6] وَطَرِيقِ الرَّوْحَاءِ [7]، حَتَّى تَوَافَوْا طَرِيق الْعَرْجِ [8]، وَسَلَكَ مَاءً، يُقَالُ لَهُ: الْغَابِرُ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةَ [9]، حَتَّى يَطْلُعَ عَلَى بَطْنِ رِئْمٍ [10]. ثمَّ جَاءَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قِبَلَ الْقَائِلَةِ [11]" [2].

وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَرْقَطَ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجَ [13]، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرَّارَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمُرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفًا [14]. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَفْتًا [15]. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الهذلي:

نَزِيعًا [16] مُحْلِبًا [17] مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ *** لِحَيٍّ بَيْنَ أَثْلَةَ [18] وَالنِّحَام [19]

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ، ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجَّ [20]- وَيُقَالُ: مِجَاجٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِحَ [21] مَحَاجَّ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضْوَيْنِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ [22]- ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ [23]، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ [24]، ثُمَّ عَلَى الأَجْرَدِ [25]، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ [26]، مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَةٍ تِعْهِن [27]، ثُمَّ عَلَى الْعَبَابِيدِ [28]. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعَبَابِيبُ، وَيُقَالُ: الْعِثْيَانَةَ. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الْفَاجَّةَ [29]، وَيُقَالُ: الْقَاحَّةُ [30]، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا الْعَرْجَ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمَا بَعْضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرَّدَّاءِ- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلاَمًا له، يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنَ الْعَرْجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةٍ- وَيُقَالُ: ثَنِيَّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لاِثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ، وَكَادَتِ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ [31].

وعمومًا فهذه العلامات ما زال معظمها معروفًا إلى زماننا، وكثير من الجغرافيين يستطيع تحديد الطريق الذي سار فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه في الهجرة. وفي كل هذه الرحلة كان الصديق رضي الله عنه حريصًا كل الحرص على تأمين الطريق، وتفويت الفرصة على المشركين في معرفة طبيعة هذا الركب المسافر.

قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ [32]، وَنَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَابٌّ لاَ يُعْرَفُ [33]، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ. قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ [34].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
[1] عُسْفَانُ: بَلْدَةٌ عَلَى 80 كيلو مترًا مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا عَلَى الْجَادَّةِ إلَى الْمَدِينَةِ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص208.

[2] قُدَيْدٌ: وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، يَقْطَعُهُ الطَّرِيقُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ 125 كيلو مترًا. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص249. وقال محمد بن محمد حسن شُرَّاب: على نحو (120) كيلو مترًا. انظر: المعالم الأثيرة ص222.

[3] الْخَرَّارُ: وَادٍ، هُوَ وَادِي الْجُحْفَةِ وَغَدِيرِ خَمٍّ، يَقَعُ شَرْقَ رَابِغٍ عَلَى قَرَابَةِ (25) كيلو مترًا عِنْدَ غَدِيرِ خَمٍّ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص112.

[4] ثنية المرَّة: موضع بين غدير خمٍّ والفرع. انظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص175.

[5] المدلجة: مفعلة، من الدلج: وهو اندلاج الماء على الأرض؛ والمدالج أربع بين وادي الفرع والقاحة؛ وهي: مدلجة لقف، ومدلجة مُجَاج، ومدلجة ثقيب، ومدلجة تِعْهِن، وكلها في طريق الهجرة النبوية. انظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص243.

[6] عَمْق الشيء قعره، والعمق: المطمئن من الأراضي؛ وهو وادٍ من أودية الطائف نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصر الطائف، والعمق أيضًا: موضع قرب المدينة وهو من بلاد مزينة، ويروى عَمْقَى بوزن سكرى بغير تنوين، وقيل: العمق عين بوادي الفرع. والعمق أيضًا: وادٍ يسيل في وادي الفرع يسمى عمقين. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/156.

[7] الرَّوْحَاء: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة أربعة وسبعين كيلو مترًا من المدينة. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص131، وحدده البلادي بخمسة وسبعين كيلو مترًا، انظر: معجم المعالم الجغرافية ص164.

[8] العرج: وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، كان يطؤه طَرِيقُ الْحُجَّاجِ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، جُنُوبَ الْمَدِينَةِ عَلَى (113) كيلومترًا. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص203، ومحمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص188.

[9] ركوبة: ثنية بين مكة والمدينة صعبة سلكها النبي صلى الله عليه وسلم عند مهاجرته إلى المدينة، وتعرف اليوم بـ(ريع الغائر). محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص129.

[10] بطن رئم: رِئْمٌ بِلَفْظِ الرِّئْمِ مِنَ الظِّبَاءِ وَهِيَ الْخَالِصَةُ الْبَيَاضِ، وهو وَادٍ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي النَّقِيعِ، يَأْتِي مِنَ الْغَرْبِ... يَبْعُدُ مَصَبُّ رِئْمٍ عَنِ الْمَدِينَةِ قَرَابَةَ 60 كيلو مترًا شَمَالًا. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص145، وانظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص131.

[11] القائلة: الظهيرة؛ يُقال: أَتانا عند القائِلة. والقائلة نِصفُ النهار.

[12] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/377، وقال البرزنجي: إسناده صحيح. انظر: صحيح وضعيف تاريخ الطبري 2/62، وقال الصوياني: سنده صحيح رواه ابن جرير بسند صحيح. انظر: الصوياني: السيرة النبوية 1/279، والصحيح من أحاديث السيرة النبوية ص154. وهو عند الحاكم عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: "لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْغَارِ مُهَاجِرًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مُرْدِفُهُ أَبُو بَكْرٍ وَخَلْفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ فَسَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلَ أَمَجَ، ثُمَّ عَارَضَ الطَّرِيقَ بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا الْحِجَازَ، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمِرَارِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا الْحَفْيَاءَ، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مُدْلِجَةَ لِقْفٍ، ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مُدْلِجَةَ مَجَاحٍ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَذْحِجَ، ثُمَّ بِبَطْنِ مَذْحِجَ مِنْ ذِي الْغُصْنِ، ثُمَّ بِبَطْنِ ذِي كَشْدٍ، ثُمَّ أَخَذَ الْجُبَاجِبَ، ثُمَّ سَلَكَ ذِي سَلْمٍ مِنْ بَطْنٍ أَعْلَى مُدْلِجَةَ، ثُمَّ أَخَذَ الْقَاحَةِ ثُمَّ هَبَطَ الْعَرْجِ، ثُمَّ سَلَكَ ثَنِيَّةَ الْغَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رُكُوبِهِ، ثُمَّ هَبَطَ بَطْنَ رِيمٍ فَقَدِمَ قُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ". الحاكم (4272)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال ابن حجر: وعند الحاكم من طريق ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة نحوه وأتم منه، وإسناده صحيح. انظر: ابن حجر: فتح الباري 7/238، وقال الصوياني: سنده صحيح. انظر: الصحيح من أحاديث السيرة النبوية ص154.

[13] أمج: وَادٍ زِرَاعِيٌّ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِخُلَيْصٍ عَلَى مِائَةِ كيلو متر مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص32.

[14] لِقْفٌ: وَادٍ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي الْفَرْعِ يَصُبُّ فِيهِ مِنْ ضَفَّتِهِ الشَّمَالِيَّةِ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص273.

[15] قال البلادي: لفت: ثَنِيَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى خُلَيْصٍ مِنَ الشَّمَالِ، يَطَؤُهَا الدَّرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدِيدٍ، سَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مُهَاجَرَتِهِ، وَتُسَمَّى الْيَوْمَ "الْفَيْتُ"... وَقَدْ هُجِرَتْ لَفْتٌ مِنْ زَمَنٍ، وَلَمْ تَعُدْ مَطْرُوقَةً، وَعِنْدَمَا عُبِّدَ الطَّرِيقُ تَجَاهَلَهَا وَتَرَكَهَا وَأَخَذَ عَنْهَا يَسَارًا فِي حَرَّةٍ لَمْ تَكُنْ مَطْرُوقَةً مِنْ قَبْلُ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص273.

[16] النَّزِيعُ: الغريب. والنَّزِيعُ: الشريفُ من القوم الذي نزَع إِلى عِرْق كريم. ابن منظور: لسان العرب، 8/349.

[17] المُحْلِب: المُعين من غير قومه، وإِذا كان المُعِين مِن قَوْمِه لم يَكُنْ مُحْلِبًا. ابن منظور: لسان العرب، 1/332.

[18] الأَثْلَةُ: موضع قرب المدينة. ياقوت الحموي: معجم البلدان 1/91.

[19] هكذا بالحاء عند ابن هشام، وهي بلفظ: "والنجام". عند السهيلي: الروض الأنف، 4/148، وقال ياقوت الحموي: النِّجَام: جمع نجم؛ مثل: زند وزناد فيما أحسب، والنَّجم: كل ما نبت على وجه الأرض مما ليس فيه ساق: وهو اسم موضع، وقيل اسم وادٍ في قول معقل بن خويلد الهذلي. ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/261.

[20] قال ياقوت الحموي: مجاح موضع من نواحي مكة... مدلجة محاج كذا ضبطه بفتح الميم وحاء مهملة وآخره جيم، قال ابن هشام: ويقال مجاج. بجيمين، وكسر الميم، والصحيح عندنا فيه غير ما روياه؛ جاء في شعرٍ ذكره الزبير بن بكَّار وهو مَجَاح، بفتح الميم ثم جيم وآخره حاء مهملة... وأنا أحسب أن هذه هي رواية ابن إسحاق، وإنما القلب على كاتب الأصل فأراد تقديم الجيم فقدَّم الحاء، والله أعلم. ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/55.

[21] مرجح: شعب يصبُّ في مجاج. محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص175.

[22] قال البلادي: لَيْسَتِ الْغَضَوَيْنِ وَلَا الْعُضْوَيْنِ؛ إنَّمَا هُمَا الْعَصَوَانِ: بِإِهْمَالِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ، مُثَنَّى عَصَا، يُقَالُ لَهُمَا: الْعَصَا الْيُمْنَى وَالْعَصَا الْيُسْرَى، وَيَجْمَعُونَهُمَا "الْعِصِيَّ": تَلْعَتَانِ تَجْتَمِعَانِ ثُمَّ تَصُبَّانِ فِي وَادِي مَجَاحٍ أَحَدُ رَوَافِدِ وَادِي الْفَرْعِ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ص227، وقال محمد بن محمد حسن شُرَّاب: ذو العضوين- بالضاد المعجمة أو المهملة: شعبتان تجتمعان ثم تصبان في مجاح: وهي مسيل ماء. انظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص175، 193.

[23] قال ياقوت الحموي: كَشْرٌ: بالفتح ثم السكون، وهو بدوُّ الأسنان عند التبسُّم: جبل قريب من جرش، وفي حديث الهجرة: ثم سار بهما بعد ذي العضوين إلى بطن كشر. وهما بين مكة والمدينة. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/462، وقال محمد بن محمد حسن شُرَّاب: ذو كشد: وفي السيرة "كشر" بالراء، وهو تصحيف، وتُعرف اليوم بـ(أم كشد): تلعة تسيل في وادي ثقيب من الجنوب مقابلة الأجرد، يأخذها الطريق إلى القاحة. انظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص175.

[24] قال ياقوت الحموي: الجَدَاجِد: جمع جَدْجَد، وهي الأرض المستوية الصلبة، وفي حديث الهجرة أن دليلهما تبطن ذا كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، بجيمين ودالين، ويجوز أن يكون جمع جُدْجُد؛ وهي البئر القديمة، وأظنها على هذا آبارًا قديمة في طريق ليس يُعلم. ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/112، وقال البلادي: الْجَدَاجِدُ لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص80.

[25] قال البلادي: الْأَجْرَدُ كَاَلَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ؛ جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثُمَّ عَلَى الْأَجْرَدِ. يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِأُجَيْرِدٍ -تَصْغِيرٌ- شِعْبٌ يَصُبُّ فِي وَادِي ثُقَيْبٍ، وَثُقَيْبٌ أَحَدُ رَوَافِدِ الْقَاحَةِ، وَهُوَ وَمَرْجِحٌ وَالْمُدَالِجُ، عَلَى طَرِيقٍ قَدِيمٍ قَدْ هُجِرَ، وَهُوَ طَرِيقُ الْهِجْرَةِ.... وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ تَقَعُ جُنُوبَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرَابَةِ (160) كيلو مترًا، قَرِيبَةً مِنْ وَادِي الْفَرْعِ، بَلْ تَصُبُّ مِيَاهُهَا فِيهِ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص17، 18، وانظر: محمد بن محمد حسن شُرَّاب: المعالم الأثيرة ص175.

[26] ذو سَلَم: وادي سلم: بالحجاز... وذو سلم: وادٍ ينحدر على الذنائب، والذنائب: في أرض بني البكَّاء على طريق البصرة إلى مكة. ياقوت الحموي: معجم البلدان 3/240، وقال محمد بن محمد حسن شُرَّاب: موضع مذكور في طريق الهجرة النبوية. المعالم الأثيرة ص121.

[27] قال السهيلي: تِعْهِنَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْهَاءِ وَالتَّاءُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ عَلَى قِيَاسِ النَّحْوِ فَوَزْنُهُ فِعْلِلٌ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مِنَ اشْتِقَاقٍ عَلَى زِيَادَةِ التَّاءِ أَوْ تَصِحَّ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ تُعْهِنُ بِضَمِّ التَّاءِ فَإِنْ صَحَّتْ فَالتَّاءُ زَائِدَةٌ كُسِرَتْ أَوْ ضُمَّتْ وَبِتِعْهِنَ صَخْرَةٌ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ عِقْيٍ عُرِفَتْ بِامْرَأَةِ كَانَتْ تَسْكُنُ هُنَاكَ فَمَرَّ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَسْقَاهَا فَلَمْ تَسْقِهِ فَدَعَا عَلَيْهَا فَمُسِخَتْ صَخْرَةً فَهِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ فِيمَا يَذْكُرُونَ. انظر: السهيلي: الروض الأنف 4/149، وقال ياقوت الحموي: تِعْهِنُ: بكسر أوله وهائه، وتسكين العين، وآخره نون: اسم عين ماء سُمِّيَ به موضع على ثلاثة أميال من السُّقيا بين مكة والمدينة. ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/35، وقال البلادي: تِعِهِّنُ: مُخْتَلَفٌ فِي ضَبْطِ تَائِهِ، وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ يُشَدِّدُونَ الْهَاءَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ: وَادٍ مِنْ كِبَارِ رَوَافِدِ الْقَاحَةِ، يَأْتِيهَا مِنَ الشَّرْقِ مِنْ جِبَالِ قَدَسٍ، فَيَدْفَعُ أَسْفَلَ مِنَ السُّقْيَا عَلَى مَرْأًى مِنْهَا. انظر البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص62، 63.

[28] العبابيد: قال ياقوت الحموي: رُوي في اسم هذا الموضع العبابيب، بعد الألف باء أخرى، ثم ياء آخر الحروف، ثم باء أخرى، ورُوي فيه أيضًا العثيانة، بالعين المهملة والثاء المثلثة، وياء آخر الحروف، وبعد الألف نون، كل ذلك جاء مختلفًا فيه في حديث الهجرة: إن دليل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مرَّ بهما على مدلجة تعهن ثم على العبابيد، قال ابن هشام: العبابيب، ويقال: العثيانة. فمَنْ رواه عبابيد جعله جمع عبَّاد، ومَنْ روى عبابيب كان كأنه جمع عبَّاب من عببت الماء عبًّا فكأنه -والله أعلم- مياه تعبُّ عبابًا وتعبُّ عبًّا. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/73. وقال البلادي: الْعَبَابِيدُ أَوِ الْعَبَابِيبُ لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص198.

[29] قال البلادي: الْفَاجَّةُ بَعْدَ الْفَاءِ وَالْأَلِفِ جِيمٌ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَتْ فِي ذِكْرِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ  إلَى الْمَدِينَةِ، وَخَلَطَ الْمُتَقَدِّمُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَاحَّةِ، بِالْقَافِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُمَا مُتَجَاوِرَتَانِ. فَالْقَاحَّةُ هِيَ الْوَادِي الرَّئِيسِيُّ، وَالْفَاجَّةُ، رَافِدٌ مِنْ رَوَافِدِهِ، يَصِبُّ فِيهِ مِنَ الشَّرْقِ، يَأْتِي مِنْ جِبَالِ قُدْسٍ. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ص233.

[30] قال ياقوت الحموي: قاحة الدار وباحتها واحد، وهو وسطها، وقاحة: مدينة على ثلاث مراحل من المدينة قبل السُّقيا بنحو ميل... وقد روي فيه الفاجة، بالفاء والجيم. ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/290.

[31] ابن هشام: السيرة النبوية 1/491، 492.

[32] قَوْلُهُ: "وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ". يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ شَابَ، وَقَوْلُهُ: "يُعْرَفُ". أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالسَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَشِبْ، وَإِلَّا فَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَانَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ. انظر: ابن حجر: فتح الباري 7/250.

[33] وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: "أَيُّمَا أَسَنُّ أَنَا أَوْ أَنْتَ؟". قَالَ: أَنْتَ أَكْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي وَأَكْبَرُ، وَأَنَا أَسَنُّ مِنْكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا وَهَمًا. قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا ظَنَّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِلْعَبَّاسِ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا، فَيَلْزَمُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي سِنِّ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ. ابن حجر: فتح الباري 7/251.

د. راغب السرجاني
[34] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، (3699).
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2018-09-25, 12:17 PM   #9 (permalink)
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 365
شكراً: 0
تم شكره 83 مرة في 68 مشاركة
افتراضي العلم والعمل دعامتا المجتمع الإسلامي



قام المجتمع الإسلامي - في إطار الشريعة - على دعامتين أساسيتين تمثلان قوام التطور والبقاء، وهما: العلم والعمل، والربط بين العلم والعمل هو الروح الحقيقية الفاعلة والمؤثرة، والعلم شمولي يضم ما ينفع الدنيا وما ينفع الآخرة... ولا شيء عند النظر الإسلامي الصحيح يسمى بعلوم الدين، أو علوم الدنيا؛ فكل علم نافع هو علم دين وعلم دنيا، وكل علم ضار هو علم غير إسلامي، ولن ينفع الدين، ولن ينفع الدنيا، بل إن (العلم الواحد) قد يكون - وفق منهجية معينة - علما إسلاميا، وبالتالي نافعا للدين والدنيا، وقد ينقلب نفسه إلى علم غير إسلامي إذا خضع لمنهجية جدلية، أو جمد عند إطار معين، أو أخذ حجما أكبر من حجمه في إطار منظومة المعرفة الإسلامية، وإشعاعاتها المحددة في الحياة.
إن علم الطب قد يكون علم دين عندما يلتزم بالمنهج والأخلاق والغاية وينفع الناس... بينما يصبح (علم الكلام)، أو (علم الفقه) علم دنيا إذا حاد عن المنهج وفقد أخلاق الإسلام وغايات الإسلام، ولم يعد نافعا للناس؛ بل أصبح تبديدا لطاقتهم، وترفا في فكرهم، ومركبا ذلولا لأطماع الدنيا وأهواء الحكام.
وفي ضوء هذا الوعي بأهمية العلم الشمولي الذي ينظر في النفس والآفاق، ويقدر الله حق قدره...

وفي ضوء الربط بين العلم والعمل، والإيمان بأن العمل ضرورة لا مناص منها، وأنه داخل في العبادة، وفي عموم الهدف الأعلى للحياة الذي يحدده قوله - تعالى - {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وتمثلا بـسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين جمعوا بين العبادة والعمل والجهاد في معادلة متكاملة منسجمة رائعة...

في ضوء هذا الوعي بقيمة العمل القائم على العلم، انطلق المسلمون يعمرون الكون، ويتفوقون في الحرف والصناعات، ويزرعون ويتاجرون ويشتغلون بكل العلوم النافعة، أو بتعبيرهم الإسلامي {العمل الصالح} أي القائم على الصلاح والصلاحية، وبما أن العمل يستلزم لطبيعة أدائه معرفة الظروف والوسائل والإمكانات والغايات، ولا يستقيم له أن يكون صالحا إذا كان ضربا من الخبط في الظلام أو الانسياح مع هوى أو وهم، أو عصبية[1]؛ لأنه يستلزم ذلك فقد التزم المسلمون في عملهم ـ في حدود الممكن البشري - بالمواصفات الإسلامية للعمل الصالح.
وهذه واحدة من المعالم الرئيسة في تفسير الإسلام للتاريخ، وفي المنظومة التي يقيم عليها بناءه للحضارة وضماناته لاستمرارها: إنها تتلخص في أن يعمل الإنسان بوحي من العقل، وفي ضوء المعرفة، على تحسين المسير وتفادي السوء، والقيمة الحقيقية إنما هي للعمل الصادر عن فكر نير في سبيل غاية شريفة.[2] إنه الوحي والعقل، والصلاح والصلاحية، والعلم والعمل؛ في نسيج واحد...

ولقد كان لمفكري الإسلام على امتداد التاريخ يد طولى وأساسية في نشر هذا الاعتقاد السائد اليوم، وهو: (إن التاريخ البشري الناشئ عن تفاعل عدد لا يحصى من العقول الإنسانية، ينبغي أن يكون خاضعا لقوانين بسيطة يمكن أن تدركها تلك العقول)[3]، وبالتالي فقد كان لدى المسلمين نظرة عملية للتاريخ ترتبط بالفكر، وليست مجرد نظرة فلسفية هائمة أو حالمة، وهي نظرة عملية قائمة على ثوابت الوحي واجتهادات العقل.
وإذا كان القرآن كثيرا ما يضيف إلى (الذين آمنوا) وصف العمل الصالح (وعملوا الصالحات) فإن المسلمين قرنوا العلم بالعمل في الناحية الروحية، وكذلك امتازوا بتطبيق النظريات الكونية على التجارب العملية، وكانت هذه الخصلة القويمة فيهم نفحة من نفحات دينهم، فلم يمض عليهم ردح من الزمن حتى أصبحوا أئمة العلم والعمل في الأرض[4]، وقد شهد لهم كبار الأجانب بهذه المكانة فقال العلامة الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه حضارة العرب:

{{إن العرب مع ولوعهم بالأبحاث النظرية لم يهملوا تطبيقها على الصنائع، فقد أكسبت علومهم صنائعهم جودة عظيمة جدا، وإننا وإن كما لم نزل نجهل أكثر الطرائق التي سلكوها لذلك، فإننا نعرف نتائجها وآثارها، فنعرف مثلا أنهم احتفروا المناجم، واستخرجوا منها الكبريت، والنحاس، والزئبق، والحديد، والذهب، وبرعوا في الصياغة وصقل الفولاذ، وبرعوا في كثير من فنون الصنائع براعة لم يلحق لهم شأو فيها للآن}[5].

ولم يتخلف المجتمع الإسلامي - وبعد أكثر من عشرة قرون من التفوق - إلا حين انفصل العلم عن العمل، ومن ثم أهمل العلم... وأهمل العمل؛ أما خلال قرون ما قبل التبعية والوقوع تحت ضغط الغزو الفكري ومشروعات الإبادة الحضارية، فقد كانت الروابط الإسلامية تحكم المجتمع الإسلامي (مع وجود الهنات البشرية) على مستوى المسجد، ومستوى الجيران، ومستوى الأرحام، ومستوى القربى، ومستوى العائلات والقبائل، ومستوى الأحياء في المدن، ومستوى الشعور الإسلامي الذي ينظم الأمة الإسلامية كلها...
ونسيج هذه الروابط تجمعها شريعة حاكمة، تقوم على العلم والعمل والوحي والعقل، والتعاون والتكامل، وليس التنافر والصراع.

ومن عجب أنه بينما لم يحسن بعض المؤرخين فهم تاريخ المجتمعات الإسلامية، ولا النظر الدقيق لمحركاتها وإيجابياتها، ولا الوصول إلى تحليل سليم لمكوناتها وعناصرها الحية... ولا التأريخ ليوم واحد كامل من أيام فرد مسلم، أو عائلة مسلمة، أو قرية مسلمة، منذ صلاة الفجر وشروق الشمس، وحتى تنام هذه الأسرة بعد صلاة العشاء... إنهم لم يفعلوا ذلك، ويرصدوا نصيب شريعة الإسلام في حياة المسلمين... أفرادا أو جماعات... في مستوى الالتزام الواعي -في الحياة الاقتصادية-ـ بالنظام الإسلامي في المعاملات... وفي مستوى (المسجد) عبادات وثقافة وعلاقات اجتماعية... وفي مستوى الأسواق، ودور المحتسبين فيها... وفي مستوى (الكتاتيب والمساجد) والنشاطات العلمية الموجودة فها... وفي مستوى المسلم، وعلاقة الزوجة بزوجها والأبناء بآبائهم، والأرحام، والجيران... وفي مستوى الأحوال الشخصية، وتأثيرها في بناء البيت المسلم وفي صياغة أفراحه ونظام تكوينه للأسرة... وأيضا في إخضاع البيت المسلم لشريعة الإسلام في شتى أحواله... عند الزواج، وعند الخلاف، وعند الموت وما يتبعه من ميراث إسلامي... وفي مستوى الأخلاق والروح العامة التي تحكم هذا المجتمع وتصوغ أطره وعلاقاته... إلا أنهم ذهبوا يحكمون على الحضارة الإسلامية من خلال رصد عاجز لشريحة واحدة، لا ترتفع فاعليتها لأكثر من عشر فاعلية الشرائح الأخرى التي صنعت حضارتنا، وهي شريحة الحكام...

بينما هذا -بصفة إجمالية- على مستوى المؤرخين والمنظرين المسلمين، نجد كثيرا من المؤرخين الأوروبيين (المنصفين) قد أحسنوا رصد الحياة الاجتماعية وأثر الإسلام فيها، واعترفوا بالمكانة الكبيرة والأساسية والقوية للشريعة الإسلامية في حياة المسلمين خلال تاريخ الحضارة الإسلامية الطويل... يقول المؤرخ الكبير (ول ديورانت): كان المسلمون كثيري التفكير في ربهم، وكانت مبادئهم الأخلاقية، وشريعتهم، وحكومتهم قائمة كلها على أساس الدين. والإسلام أبسط الأديان كلها وأوضحها، وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتطلب الجزء الثاني من هذا الأساس الإيمان بالقرآن، وبكل ما جاء به من أوامر ونواه، والمسلمون الصالحون لا يعملون بما ورد في القرآن وحده؛ بل يعملون أيضا بالأحاديث والسنن النبوية التي احتفظ بها علماؤهم على مر الأجيال والقرون؛ ذلك أن المسلمين قد يواجهون على مر الزمن مسائل خاصة بالعقائد، والعبادات، والأخلاق، والتشريع، لا يجدون لها جوابا صريحا في القرآن. كذلك وردت في القرآن آيات متشابهات يخفى معناها على كثير من العقول، وتحتاج إلى إيضاح، ولهذا كان من المفيد أن يعرف المسلمون ما فعله النبي أو الصحابة، وما قالوه في أمثال هذه الموضوعات، ومن أجل ذلك وجه بعض المسلمين عنايتهم إلى جمع هذه الأحاديث، وأنشئوا مدارس للحديث في مختلف المدن يلقون فيها دروسا عامة في الحديث والسنن النبوية([6]).

ويعزو (ديورانت) سبب إسلام الشعوب المختلفة إلى تسامح المسلمين وتمسكهم العملي أمامهم بدينهم، فيقول: وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتجها المسلمون الأوائل، أو بسبب هذه الخطة؛ اعتنق الإسلام معظم المسيحيين وجميع الزراداشتيين والوثنيين إلا عددا قليلا منهم، وكثيرون من اليهود في آسيا، ومصر وشمال إفريقيا، فقد كان من مصلحتهم المالية أن يكونوا على دين الطبقة الحاكمة، وكان في وسع أسرى الحروب أن ينجوا من الرق إذا نطقوا بالشهادتين ورضوا بالختان، واتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانا لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر بأتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام، وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي؛ في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد، وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصا واستمساكا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين، وإندونيسيا، والهند، إلى فارس، والشام، وجزيرة العرب، ومصر، والى مراكش، والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالا تخفف عنهم الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة[7].

وبعد أن يخلص (ديورانت) من خلال سرده التاريخي المطول المتعمق؛ ينتهي إلى رأي تاريخي مقارن في الأثر الايجابي الفريد للشريعة الإسلامية في الحضارة... فيقول:
(ولا يسعنا إلا أن نسلم، مع بعض التحفظات - بأن الخلفاء الأولين من أبي بكر إلى المأمون قد وضعوا النظم الصالحة الموفقة للحياة الإنسانية في رقعة واسعة من العالم، وأنهم كانوا من أقدر الحكام في التاريخ كله، ولقد كان في مقدروهم أن يصادروا كل شيء، أو أن يخربوا كل شيء كما فعل المغول أو المجر، أو أهل الشمال من الأوروبيين؛ لكنهم لم يفعلوا هذا؛ بل اكتفوا بفرض الضرائب. ولما فتح عمرو مصر أبى أن يستمع إلي نصيحة الزبير حين أشار عليه بتقسيم أرضها بين العرب الفاتحين، وأيده الخليفة في هذا الرأي وأمره أن يتركها في أيدي الشعب يتعهدها فتثمر. وفي زمن الخلفاء الراشدين مسحت الأراضي، واحتفظت الحكومة بسجلاتها، وأنشأت عددا كبيرا من الطرق وعنيت بصيانتها، وأقيمت الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها)[8].

ومع تقديرنا لما كتبه ديورانت، وما كتبه غيره من أمثال أرنولد توينبي (ت 1975م) في كتابه (موجز دراسة للتاريخ) وغوستاف لوبون (ت 1932م) في كتابه حضارة العرب[9]، وآدم متز (ت 1917م) في تأريخه لحضارة العرب والمسلمين في القرن الرابع الهجري (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري)... فإن ما كتبه هؤلاء ـ ومن في مستواهم ـ لا يرقى إلى ما كتبه سير توماس أرنولد (1864 – 1930م) في كتابه الرائع (الدعوة إلي الإسلام)...

ولعل محاولتي الدكتور حسين مؤنس في كتابه (عالم الإسلام) و(الإسلام الفاتح) هما - في الجانب الإسلامي - المحاولتان القريبتان من المنهج الصحيح لتاريخ حضارتنا... وهما ـ ولا سيما ثانيتهما ـ تسيران على خطى محاولة أرنولد في تاريخ الدعوة إلى الإسلام... وليس في تاريخ بعض الحروب، أو بعض الحكام، أو بعض صور النزو على السلطة من بعض قطاع الطرق والمزورين لإرادات الشعوب، والمزيفين لحقائق التقدم وقوانين التحضر!!

إنها رحلة طويلة... رحلة كتابة تاريخنا الحضاري، بعيدا عن المنطقة البشرية ذات الصورة المعتمة التي أتاحت الفرصة لبعض المغرضين كي يظلموا هذا التاريخ... حقا إنها منطقة مظلمة... لكنها محددة، وثمة مساحات مظلمة تفوقها أضعافا مضاعفة في كل تواريخ البشرية... لكن تفرد حضارتنا أنها في مساحتها الوضيئة الأخرى - الأكبر والأشمل - لم يستطع أن يصل أي تاريخ إلى مستوى إنسانيتها ورحمتها وعدلها، وتوازنها، وشعورها بالمسؤولية الحضارية تجاه البشرية.

لقد كانت حضارة الرحمة، والعدل، والعلم، والعقل، والعمل، والضمير، والقلب...
وبغير روح وعقل وعمل لن تقوم حضارة إسلامية، ولا سيما في عصرنا الحديث !!
والتحدي الذي يواجهنا اليوم هو أن نعمل كما يعملون هناك في اليابان، وأوروبا، وأمريكا، وكوريا (عشر ساعات في اليوم)... ونمزج عملنا المادي بعناصر حضارتنا الإسلامية بمعادلاتها المتفردة... وفي مشكاتها الربانية... )يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ( [ النور: 35 ].

د: عبد الحليم عويس
[1] المرجع السابق، ص: 36.
[2] المرجع السابق، ص: 37.
[3]المكان السابق.
[4] محمد فريد وجدي: مهمة الإسلام في العالم، ص: 195، طبع الأزهر.
[5] نقلا عن المرجع السابق، ص: 196.
[6] ول ديورانت: قصة الحضارة 13: 116.
[7] المرجع السابق 13: 133.
[8] المرجع السابق 13: 105، وانظر موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، ص: 544، ط لبنان.
[9] انظر: مقدمة كتاب فلسفة التاريخ لعادل زعيتر، دار المعارف - مصر، 1945م.
slaf elaf غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قالوا عن المرأة في الاسلام مستر ديبو المراة المسلمة 5 2016-11-29 11:51 PM
غربة الإسلام حسام بن رجب المنتدى الاسلامى العام 4 2016-08-25 03:33 PM
الإسلام قادم ايهاب ماهر المنتدى الاسلامى العام 6 2012-01-30 08:40 PM
جديد القنوات موسى محمد المنتدى الفضائي العام 113 2011-12-10 10:23 PM
180 أمريكياً اعتنقوا الإسلام تزامناً مع وقع التهديدات بحرق المصحف !! اشرف فتحى الصوتيات والمرئيات والكتب الاسلامية 2 2010-09-25 05:58 PM


الساعة الآن 08:57 PM